يعرض متحف العلوم ( Science Museu) في لندن حالياً بعضاً من أبرز المنجزات العلمية التي حققتها الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها في جناح خاص بعنوان (1001 اختراع: اكتشف الحضارة الإسلامية في عالمنا) والذي بدأ باستقبال الزوار منذ 21 يناير وسيبقى في مدينة الضباب حتى 25 أبريل من العام الجاري. بعدها سينطلق المعرض حول العالم كما صرح أصحاب هذه المبادرة من مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة (FSTC)، وهي منظمة بريطانية برئاسة البروفيسور سالم الحساني، أنشئت لغرض التعريف بإسهامات الحضارة الإسلامية في التاريخ الإنساني، وأطلقت هذه المبادرة من مانشستر ابتداء قبل أن تنتقل إلى لندن هذا العام. ويمول هذه المؤسسة غير الربحية عدد من الجهات منها: المكتب الوطني التابع للحكومة البريطانية والمكتب الخارجي بالحكومة البريطانية ووزارة التجارة والصناعة ومجموعة ابن حمودة التي مقرها أبوظبي والمجموعة القابضة العالمية ومؤسسة التراث الإسلامي الاستشارية (الرياض 14505)، أما الشريك والراعي الرئيس لهذا المعرض الآن فهي مؤسسة جميل السعودية التابعة لشركة عبداللطيف جميل.
هناك عدة أمور تثير الاهتمام هنا، فابتداء ما أجمل أن نشاهد العلماء العرب والمسلمين في الخارج يساهمون في تعريف الناس بالإسلام بأسلوب حضاري علمي يخاطب الغرب باللغة التي يفهمها. وجميل أيضاً أن نشاهد المال العربي في الغرب يصرف في وجه مستحقٍ وبأسلوب فعّال لمصلحة العرب والمسلمين، فتحية خاصة لمؤسسة جميل والقائمين عليها.
الجناح بمجمله جيد جداً، وفكرة ممتازة أن يعرض في هذا المتحف بالذات، لأنه أكبر وأهم معرض للعلوم في المملكة المتحدة، ويزوره عدد هائل من الناس كل يوم لا سيما من طلبة المدارس مما يعني أن الأجيال الجديدة في الغرب سيكون لديها فرصة لتتعرف على علمائنا الكبار: الرازي وابن الهيثم وابن النفيس وابن حيان والزهراوي وغيرهم، كما أن هناك إبرازا واهتماما بالعالمة المسلمة وخاصة في الأندلس بل وفي منطقة المغرب العربي. فهناك مثلاً فاطمة الفهري والتي أسست جامعة القرويين في المغرب والتي تعد أول جامعة متكاملة في العالم، ويؤكد المعرض على أن دور المرأة في العلم وإسهاماتها فيه ازدهر وقت قوة وازدهار الدولة الإسلامية وإشعاع حضارة المسلمين ثم خبا أو تلاشى مع أفول نجم هذه الحضارة، لكن جيلاً جديداً من العالمات يزدهر اليوم في بلاد المسلمين إيذاناً بالعودة إلى الطريق الصحيح.
جمالية المعرض تكمن في أنه يذكرنا نحن قبل الآخرين بعظمة تلك الحضارة التي امتدت على تلك الرقعة الجغرافية الخضراء، فمن الخرائط الدقيقة والإسطرلاب، إلى الطب والعلميات الجراحية وأدواتها التي لم يتغير شكل بعضها إلى اليوم، إلى علم الفلك والبصريات وتحلية المياه والزراعة، بل وصولا حتى إلى البذخ العلمي كما في الساعة العجيبة (ساعة الفيل) التي اخترعها العالم الجزري لتكون تحفة خالدة. أضف إلى ذلك إبراز إنسانية الحضارة الإسلامية حيث التعليم والرعاية الصحية للمواطن والمقيم، للمسلم وغير المسلم، كانت تقدم كلها بالمجان، فلم يكن التعليم أو الصحة تجارة بل إعماراً للأرض ونفعاً للإنسان.
وكانت هناك معلومة مثيرة للاهتمام، هي عبارة عن إجابة لسؤال عن سر ارتباط معظم الجامعات الإسلامية بالمساجد، وكان الجواب المنطقي هو أن معظم العلماء كانوا في الأصل علماء بدينهم، الذي كان أحد الأسباب التي دفعتهم للتفكر والتدبر وطلب العلم، إذ كان الدين هناك محرك الحضارة وزاد العالم والفنان والمبدع، في صورة تجمع الروحاني بالحضارة الملموسة، وهو – برأيي – ما ينبغي أن يكون عليه الحال في الأصل. فلا تعارض بين الدين والعلم، ولا بين الدين والفن والجمال، وإن حصل تعارض فسيكون إما قصوراً في فهم الدين أو العلم أو الفن.
تسألني صديقتي عن الفائدة التي يجنيها الغرب من الاحتفاء بحضارة مثل الحضارة الإسلامية على نحو لم نقم نحن به في بلداننا؟ وكان جوابي بأن هناك عدة أسباب: أولها: هناك تقدير غربي للتاريخ والعلوم والثقافة بشكل عام، وهناك اعتراف بدور السابقين في الحضارة الحديثة، فكما يقول العالم نيوتن: ” إذا شاهدت أبعد فلأنني كنت أقف على أكتاف عمالقة”، والحضارة الإسلامية حلقة مفصلية في تاريخ العلوم، فإذا كانت الأسبقية للرومان والإغريق فإن كتب هؤلاء لم ينفض عنها الغبار وتترجم للغاتٍ حية إلا في العهد الإسلامي، ولذلك فإهمال هذه الحضارة لا يتفق مع المنطق ولا مع العقلية العلمية. وثانياً: لأن هناك في الغرب اليوم أجيالاً من المسلمين ممن لم يعرفوا غير هذه البلدان وطناً لهم، فالاحتفاء بالتاريخ الإسلامي يفترض أن يرسل إشارات لهذه الجالية، تشعرهم بأنهم جزء من مجتمعهم وأن تاريخهم مقدر ومحترم، أي أن الدولة لا تعاديهم لا تعادي دينهم، وبالتالي يكون هذا الأمر نوعاً غير مباشر من محاربة التطرف والإنعزالية التي تواجه الشباب المسلم في الغرب. ثالثاً: الدولة باحتفائها بالحضارات المختلفة من إسلامية وصينية وهندية هي أيضاً ترسل إشارات للمتطرفين أو المتعالين من أبناء الغرب ذاته، لتقول لهم إن هؤلاء الذين يشاركونكم وطنكم ليسوا كائنات أقل مستوى وإنما هم أيضاً أبناء حضارات أشرقت على الكون ذات يوم، وكلها أمور تصب في أمن وسلامة واستقرار هذه البلدان بالمقام الأول.
معرض 1001 يستحق هذا الاختفاء والاهتمام الإعلامي الدولي، وأتمنى أن أراه في السعودية قريباً، بل وأتمنى أن أرى معارض في بلداننا تذكر فضل الحضارات الأخرى على الحضارة الإسلامية، فنحن لم نبدأ من الصفر (رغم أننا اخترعناه)، وسيكون جيداً لنا أن نعلم شبابنا وأطفالنا نحن أيضاً بأن البشر كلهم ساهموا ويساهمون في كتابة التاريخ الإنساني، فقدرهم أن يعيشوا معاً، وبالتالي فعليهم أن يتعلموا كيف يتعايشوا ويتعاونوا في إعمار أرضهم بدلاً من أن يتحاربوا عليها فيشاركوا في تخريبها!

(Science Museum) يعرض متحف العلوم في لندن حالياً بعضاً من أبرز المنجزات العلمية التي حققتها الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها في جناح خاص بعنوان (1001 اختراع: اكتشف الحضارة الإسلامية في عالمنا) والذي بدأ باستقبال الزوار منذ 21 يناير وسيبقى في مدينة الضباب حتى 25 أبريل من العام الجاري. بعدها سينطلق المعرض حول العالم كما صرح أصحاب هذه المبادرة من مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة (FSTC)، وهي منظمة بريطانية برئاسة البروفيسور سالم الحساني، أنشئت لغرض التعريف بإسهامات الحضارة الإسلامية في التاريخ الإنساني، وأطلقت هذه المبادرة من مانشستر ابتداء قبل أن تنتقل إلى لندن هذا العام. ويمول هذه المؤسسة غير الربحية عدد من الجهات منها: المكتب الوطني التابع للحكومة البريطانية والمكتب الخارجي بالحكومة البريطانية ووزارة التجارة والصناعة ومجموعة ابن حمودة التي مقرها أبوظبي والمجموعة القابضة العالمية ومؤسسة التراث الإسلامي الاستشارية (الرياض 14505)، أما الشريك والراعي الرئيس لهذا المعرض الآن فهي مؤسسة جميل السعودية التابعة لشركة عبداللطيف جميل.
أكمل قراءة بقية الموضوع »