إخواني أم أعدائي

أغلب البشر يعيشون وفق قناعات أو مبادئ محددة، تفرض عليهم أفكارا وسلوكيات وقيما بعينها. فقد يكون الجامع أو المحرك لها دينيا، أو قد تكون ناشئة من توجهات فكرية مختلفة. خلاصة القول إن انتساب المرء عن قناعة لدين أو فكر أو جماعة، يعني بالضرورة أن يكون مؤمنا بجل مبادئها، وملتزما بالأركان الأهم فيها. ولا يصح له أن ينتقي ما يشاء منها، وقتما يشاء، بما يخدم مصالحه على الطريقة الميكافيلية بأن الغاية تبرر الوسيلة!  عندما كنا أطفالا تشبعنا كثيرا بفكرة الأممية، أممية المسلم في انتمائه. كان الحديث عن الوطنية آنذاك قليلا وباهتا، بل لم نكن في مدارس البنات، في المرحلتين المتوسطة والثانوية، نردد النشيد الوطني مطلقا. وفي الوقت عينه، على مسرح مدرستنا الصغير استمعنا لنشيد مؤثر عن سراييفيو، وشاهدنا فيديوهات مؤلمة، وحضرنا محاضرات مبكية، عن إخواننا في فلسطين وأفغانستان والبوسنة والصومال واليمن وكشمير. معلماتنا كن يرددن:«فأينما ذُكر اسمُ اللهِ في بلدٍ….عددتُ ذاكَ الحمى من صلبُ أوطــاني».
وعليه نشأنا ونحن نعتقد بأنه لا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى. كان ذهاب شبابنا للقتال مع «إخوانهم» أمرا طبيعيا بل مطلوبا، ولاحقا كان تنظيم حملات مقاطعة المنتجات الأميركية لممارستها العدوان على العراق أو لدعمها اللا منته لدولة الكيان الصهيوني أمرا مفروغا منه. سيطرت فكرة أن ما أصاب إخوتك كأنه أصابك بالضبط، فألمك واحد، وجرحك واحد، ومن يسيء إلى القدس فقد أساء إلى مكة. بل وإلى اليوم، تجد السعودي ينفعل للأحداث في مصر أو تركيا، ويدعو لأهل العراق، ويغلي الدم في عروقه لشأن ليبيا، ويبكي حرقة لأجل الشام، حتى إذا سألته: وما دخلك أنت؟ قال: كيف تسأل هذا السؤال؟! إنهم أهلي! إلى هنا وكل شيء متوقع لأسباب دينية وتاريخية وجغرافية. ما هو غير مفهوم، هو كيف تتغير النظرة، وتنعكس الآية، وتتبدل العلاقة كليا، عندما يأتي هذا «الأخ» ليقيم بيننا! إذ بتنا نلاحظ مؤخرا تصاعدا في اللهجة العدائية تجاه المقيمين، خاصة من الإخوة العرب والمسلمين، وتحميلهم وزر كافة مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية وحتى البيئية. ويتحول الموقف منهم من كونهم إخوة الدم وشركاء المصير إلى اعتبارهم كائنات طفيلية تسللت -في غفلة منا- لتسرق خيرات أوطاننا، وتستحوذ على وظائف شبابنا، بل ولعل لديها مخططا ماسونيا لتخريب بناتنا. واختفى شعار بلاد العرب أوطاني.. وكل العرب إخواني، ليحل محله شعار السعودية للسعوديين! وتتصاعد الدعوات للطرد والترحيل والتسفير والتخلص من هؤلاء «الإخوة/ الأجانب»، لنستعيد زمام الأمور في بلادنا. بالطبع الإعلام هو المسؤول الأول عن هذه الحالة العدائية ضد المقيمين، فكم نشرت من مقالات وتحقيقات على صدر صفحات الصحف السعودية، وكان هدفها شيطنة غير السعوديين، فاتهمتهم بمنافسة المواطن في لقمة عيشه، متناسية بأن هذا المقيم النظامي قد جاء هنا برضانا، وبتأشيرة عمل قدمها له سعودي، فإذا كانت هناك بطالة بين السعوديين بسبب غيرهم فعلا، فاللوم ليس على من بحث عن عمل فوجده، وإنما على من منحه العمل، وهو الأجدر بأن يتم صب جام الغضب عليه.
فقد قام الإعلام كردة فعل على الأممية المفرطة التي تسببت في توريط شبابنا في مشكلات عالمية عويصة، وليس لنا دخل مباشر فيها، بالمبالغة في العزف على وتر الوطنية، فتحولت إيقاعات النوتة الموسيقية الجميلة إلى نشاز الشوفينية والنظرة الاستعلائية على بقية شعوب الأرض. فأصبح مجرد كونك مواطنا يعني أنك تستحق أن تُعامل وكأنك فوق الجميع، ويحق لك أن تهين الآخرين ممن لم ينالوا هذا الشرف العظيم.
كما أن هذا الإعلام لم يفرق بين المقيم الذي بات أقرب للمواطن، والذي لو كان في بلد غربي لأصبح مواطنا، لطول إقامته هنا، وعبر جيلين أو أكثر، حتى لم يعد له بلد سواه، وبين الذي جاء بالأمس لغرض محدد وهو العمل.
حقيقة لا أرغب في أن أناقش في مقالي هذا تحديدا أسباب هذا النفس الكريه تجاه الآخر القريب/البعيد، بقدر ما أرغب في التوضيح بأن النظرة الأولى والثانية لا تستويان مع بعضهما. لا تستطيع أن تقول أنا مسلم ولا فرق عندي بين المسلمين، ولا يؤمن من بات وجاره جائع، وسأذهب إلى القدس مجاهدا، وتشجع الزواج منهم دعما لإخواتك المسلمات، وأصلا لا فرق بيننا وبينهم، إلخ، ثم في نفس الوقت تريد طرد إخوانك حينما يحلون ضيوفا على أرضك ويكسبون قوتهم بجهدهم، أو عندما تضطرهم ظروفهم للجوء إلى بلدك، أو طلب المساعدة المادية منكم، بأن هذا ليس شأننا ولا يعنيني، وأنا وعائلتي أو قبيلتي أولى! فأنا سعودي فحسب ومصالح بلادنا القُطرية تحتم علينا قطع أي روابط معهم.
باختصار لا تستطيع عمل ذلك، لا تستطيع أن تمارس هذه الازدواجية ولا هذا النفاق. صحيح أن العالم تغير عما كان عليه في صدر النبوة وفي زمن الخلافة الراشدة وما تلاها، وصارت هناك جنسيات وحدود، ويحق لكل دولة أن يكون لها أنظمتها في السفر والتنقل والعمل والدراسة وغيرها، وأن تعطي الأولوية لمن يحملون جنسيتها، ولمن هي مسؤولة عنهم. لكن كل ذلك لا يلغي الإخوة التي قررها الدين، والتي من واجباتها أن تنصر أخاك وتدعمه في حدود استطاعتك، فإن لم يكن في استطاعتك شيء، فعلى الأقل لا تسيء إليه، أو تسعى للتضييق والتحريض عليه، فهو لن يأخذ رزقك، لأن الله تعالى قرر ذلك، فلا أحد يأخذ رزق أحد ولا نصيبه ولا قدره، وفي السماء رزقكم وما توعدون.
إما إذا كنت لا تزال مصرا بأنه لا شيء يربطك بهؤلاء ولست مسؤولا عنهم، وأنت أفضل منهم بنسبك أو عرقك أو منطقتك أو جنسيتك، فلا بأس، لكن لا تأتي بعد ذلك لترفع شعار الإسلام والوحدة المحمدية، هذه أو تلك.. أنت من يقرر.

المقال في الوطن

qrCode

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*