الاحترام المفقود

لا أستغرب أبداً حوادث مثل قضية اعتداء مدير الشؤون الصحية في القصيم على حارس أمن وضربه على وجهه بالحذاء، أو قصص ضرب الرجال لزوجاتهم أو أخواتهم (في داخل البلاد أو خارجها)، أو تعذيب الكبار للصغار، أو الكفلاء لمكفوليهم من الخدم والسائقين والعمال، أو قسوة المسؤولين في دور الرعاية الاجتماعية ومستشفيات الأمراض النفسية، أو حتى حين أقرأ عن تلويث المياه أو البيئة أو الصيد الجائر، أما السبب في عدم تعجبي فهو إدراكي أن هناك خصلة شبه مفقودة بشدة في مجتمعنا وهي الاحترام.. بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ.


فالمجتمع العربي في ضميره الجمعي ليس فيه احترام للبشر أو الشجر أو الحجر أو للحيوان أو حتى الوقت كما ينبغي، وحين نحترم أحداً أو شيئاً أو نجبر أحدهم على ذلك فذلك لارتباط الأمر بمصلحة لنا بشكل أو بآخر، فنحن قد نحترم رئيسنا في العمل، لكننا لا نحترم الساعي الذي يحضر لنا القهوة كل صباح، وهناك من يحترم والديه مثلاً لكنه لا يقدم الاحترام ذاته لوالديّ زوجته، ونحن نحترم علية القوم والوجهاء والأغنياء لأنهم أصحاب مال وسلطة ونفوذ، ولكننا نتعالى على أصحاب الدخل المحدود ومن في حكمهم من العمال، ونعمل حسابا للمواطن في تعاملاتنا معه، في حين أننا قد نغمط المقيم حقه لأننا ندرك أنه بلا “ظهر” غالباً. وحتى بعض أساتذة الجامعات يتعامل بمنتهى الفوقية والاحتقار للطلبة ويكلفهم بخدمته أحيانا!
ومع أننا لا ننفرد وحدنا بهذه الصفة فالمجتمعات الأخرى – وخاصة الغربية – لديها الكثير من العنصرية وقلة الاحترام للآخرين، لكن الفرق بيننا وبينهم أمران: الأول، أنهم يعترفون بهذا القصور، ويحاولون وضع القوانين التي تجرم هذه التصرفات والسلوكيات المشينة حتى على سبيل المزاح. فلا تستطيع اليوم في بريطانيا أن تطلق نكتة عن الأجانب أو المثليين الجنسيين أو الأديان الأخرى، فهناك مصطلح (Politically Correct) أي (صحيح سياسياً أو قانونياً) يجعلك تحاسب كثيراً على ما تتفوه به، فحتى أثناء كتابتي لأبحاث الدكتوراة للمجلات أو المؤتمرات العلمية كنتُ أضطر لاستخدام ضميري الذكر والأنثى في الكتابة (he/she) حتى لا يكون هناك تمييز ضد المرأة حين نستخدم ضمير الرجل وكأننا نسلم بأنه الأصل في الإنسان أن يكون رجلاً والمرأة هي الاستثناء (أكاد أجزم بأن عدداً كبيراً من الناس في بلادنا يعتقدون ذلك فعلاً!). قارنوا ذلك بالنكات التي يطلقها العرب ضد بعضهم أو ضد الآسيويين، ولاحظوا أيضاً عبارات تعميمية جارحة في حديثنا من عينة: “ما ضرنا إلا هالأشكال” أو ” جنس وسخ أو نجس”، أو ” بدري على الحريم” أو “قبيلي وخضيري أو بدوي” أو “شرقي” أو”طرش بحر” أو”مجنسين” أو “خال” وغيرها من العبارات التي تنم عن عدم الاحترام للآخر.
والأمر الثاني، هو أن هذه السلوكيات المرفوضة تصدر هناك غالباً من قبل الطبقة الدنيا في المجتمع، أما حين تصدر من نجم أو سياسي أو إعلامي أو مسؤول فإن الدنيا تقوم ولا تقعد. وقرأت مؤخراً في صحيفة (الإيفنغ ستاندردز) اللندنية خبراً عن عزل حزب المحافظين لأحد مرشحيه عشية الانتخابات البريطانية لأنه قام بترك تعليق سخيف على صفحته في موقع “تويتر” الشبكي. أما “المزحة” التي أدت إلى ذلك فقد كانت في معرض تعليقه على بعض منتجات مبادرة التجارة العادلة (fairtrade)، والتي تضمن حصول المزارعين في الدول النامية على أرباح معقولة من الدول المستهلكة الغنية، حيث علق قائلاً: “تباً لقوانين التجارة العادلة إن طعم هذه الموزة العضوية مقرف! هل أستطيع الحصول على أخرى معالجة كيميائياً ومعدلة وراثياً ومن إنتاج العبيد؟” فعبارة “العبيد” هذه، والتي توحي باستهانته بالمعاناة التاريخية للرق قضت على المستقبل السياسي لهذا الشاب العشريني!
فهم يتعمدون تضخيم هذه الحوادث خاصة إذا صدرت من “كبير” حتى يكون درساً لغيره، ولإعطاء إشارة بأن الكرامة من أهم القيم الإنسانية التي تحفظها هذه الدول، وأنه لا أحد فوق القانون. في حين قرأت رغبة الكثيرين في عنيزة خاصة بأن يقوم السيد علي النجيبان بالتنازل عن حقه، ساردين في ذلك حججاً وآيات كثيرة تذكر بفضل العفو. والحقيقة أن هناك مواقف يكون فيها العفو فضلا للمصلحة العامة، خاصة إذا صدر الأمر من إنسان جاهل أو قليل الخبرة ورجع عن خطئه بسرعة، أما في حالتنا هذه فنحن أمام طبيب ومسؤول استغل سلطاته وعاقب رجلاً كل ذنبه أنه كان يؤدي واجبه! والأمر نفسه ينطبق على حوادث العنف الأسري والعنف مع الخدم إن كانت عن سبق إصرار وترصد، فالتشهير والعقوبة العلنية ليست فقط في مصلحة المعتدى عليه بل في مصلحة المجتمع، الذي آن الأوان أن يحسب بعض أفراده حسابأً للآخرين. وحمداً لله بأن النجيبان مواطن سعودي ولم يسكت عن حقه ويرضخ للترغيب أو الترهيب حتى الآن، وإلا لكان أبسط حل هو الضغط على الكفيل لتسفيره وإقفال ملف القضية.
وهنا نحتاج وقفة لننظر في أحوال حراس الأمن، فرواتبهم زهيده، وتدريبهم شبه معدوم، وصلاحياتهم قليلة، ويتعرضون أحياناً لاهانات فقط لأنهم يحاولون تطبيق النظام في بلد لم يتعلم الناس فيه احترام النظام والقانون نتيجة للفاعلية الشديدة لفيتامين (واو)، فلعل هذه القضية تكون فرصة مناسبة لفعل ذلك.
حين يسألني المتحمسون للسفر إلى الخارج عن أكثر ما يعجبني في الغرب، يكون جوابي: حرية وقانون واحترام..وهي أمورٌ لا تكفي كل عائدات النفط العربي لاستيرادها جاهزة.

المقال كما نشر في الوطن

qrCode

10 Comments

  1. (1) أفكر كثيرا … ما دام الرب سبحانه وتعالى قد وهب لذوي اليسر ما يستطيعوا به كسب الحسنات … ما الذي يردهم عن ذلك؟

    (2) كل واحد منا -صغيرنا وكبيرنا- يدعي الإنسانية، ثم لا ترى فيه شيء من الجينات الإنسانية بتاتا….

  2. حين يسألني المتحمسون للسفر إلى الخارج عن أكثر ما يعجبني في الغرب، يكون جوابي: حرية وقانون واحترام..وهي أمورٌ لا تكفي كل عائدات النفط العربي لاستيرادها جاهزة.

    عظيييييييييييييمة

    الله يوفقك ويسعدك

  3. فعلاً نعاني من قلة الإحترام بشكل شنييييييع جداً
    حتى الإبتسامة في الدوام او الجامعة لا تعطى إلا لذي مصلحة خاصة أو مسؤول أو من علا شأنه….
    نحن نعيش أيام الجاهلية “العصبية القبلية” في كلامنا كثيراً وأصبح من الألفاظ الدارجة أن نسب فئة معينة أو قبيلة أو جنسية..
    لقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال بما معنى الحديث اتركوها فإنها منتنه…
    ويطول الحديث…

  4. اااااااه ياقلبي اوجعتني والله / ولكن أتسأل مالذي دفعهم لهذا الفعل / لما ينقصنا هذا ونحن “مسلمون” اعتقد انها قسوة القلب و الجهل الذي اعمى الناس عن حقيقة وصل هذا الدين الذي ستسأل عنه يوم القيامه و نشهد به ع سائر الامم !! اعجب وعجب عجيب لما يحدث هذا !!! لا ابرئ نفسي ولكني احاسبها عند كل موقف :/ اعلم ان التغير لا يحدث سريعا وبين ليلة وضحاها ولكن يكفيني الان النيه و المجاهده واسأل الله الهداية لي ولاخواني / يالله ما أصعبها ع النفس حين تفكر فيها فمن أنا لتترفع !!! ولا اخر شي “يسوي نفسه ……” اي فضل تملكه عليه هو لم يسرق منك شي ولم ياخذ انسانيته من لدنك تبا لكل من فعل ولم يستغفر !!! الله ياجرك بما كتبت ويجعله حجة لك يوم القيامة .

  5. Fadhal Fatani says:

    I completely love what Maram said in this article, I can’t agree more, she had said it all

    It’s so sad that our culture lack manner big time, I can’t understand people who don’t respect their mads or drivers while they should be the most people you respect and help.

    They are cleaning your house, sorry for this word and “shit”, making your food and driving you and your family to everywhere while you have a peace of mind.

    Why not asking for what you need by saying please and thank you every time.

    well this not wired, for people don’t respect even their mates at work or school or even the guard who work for our safety.

    The thing is, god will not change what with the culture till they change them self first.

    I will make sure that I’m respecting everyone, as should be respected, even texting while talking to someone is a type of unrespecting.

    God bless you Maram

  6. Fadhal Fatani says:

    Sorry for typing in English not in Arabic, but it will take me ages to do it in arabic, and I couldn’t hold my self to comment on the article.

    “wish to improve my Arabic writing very soon”

    I hope it’s not considered as rudeness or disrespect

    Thank you again for the amazing article

  7. فاطمة المرهون says:

    الدكتورة العزيزة مرام
    المعادلة المفقودة فعلا ماقلتي
    (حرية وقانون واحترام) ليعيش الإنسان إنسانا….ليس في مستنقع أو غاب .. ليت الكل يعي ذلك بداية ممن أرسوا أنفسهم عالما أول وقادة للبشر ومرورا بمجتمعنا الطيب بأخطائه….
    حرية وقانون واحترام …في البيت وفي العمل مع الأهل والأصدقاء والموظفين والعمال بكل درجاتهم
    سلمت عزيزتي….قلمك رائع دائما

  8. ابو حسام says:

    التربية..التربية..ثم التربية هي الحلقة المفقودة في كل مانعية.

  9. تسنيــم النجار says:

    رائعة في الطرح وانتقاء المواضيع .. كعادتك

  10. السلام عليكم. مقالك جميل في المجمل الا ان هناك بعض النقاط اتمنى يتسع صدرك لسماعها. ضرورة كتابة he/ she في المجلات العلمية لا اراه نوعا من الاحترام او التقدير للمرأة بل هو نوع من السخف المتمادى فيه من الغرب ناحية اعطاء المرأة حقوقها. وهناك بعض اللغات لايوجد تفرقة بين الذكر والانثى في الضمير فيستخدم نفس الضمير. والادهى من هذا انه بعض الكتاب ذهبوا بعيدا في اعطاء هذا الامر اهمية بانهم يتعمدوا ان يكتبوا كلمة She فقط ولايضعوا كلمة he بالرغم انه المؤلفين رجال. (مثال Operating system concepts by Abraham Silberschatz). وفي الواقع أسلوب كتابة المقالات العلمية تميزت بالتقلب من فترة لاخرى ففي احد الفترات كانت الصيغة دائما للمعلوم ثم في فترة لاحقة اصبحت المقالة العلمية تكتب دائما مبنية للمجهول وحاليا فإن الكتابة تتبع اسلوب انه يكون مبني للمعلوم مع عدم استخدام ضمائر المتكلم. في كل الاحوال ارى انه الافضل كتابة He فقط ولايوجد في ذلك ظلما مبطنا للمرأة بأن الاصل الذكر. ولو أردنا البحث عن الاشياء المبطنة لربما اضطررنا غدا لان نستخدم He /She للحيوانات. وقد يتمادى البعض اكثر من ذلك فيطالب أن نلحق الجنس الثالث فنكتب He/she/shehe والاصل ابعاد اللغة عن هذه الترهات والمزايدات ولذلك انا في جميع رسائلي اتعمد ان اكتب he فقط ولا يمكن لاحد ان يتهمني بمعاداة المرأة لانني لا اضيف ضمير المتكلم المؤنث. هذا ودمتي بخير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*