البوابات لأ

Aqsaمضى أكثر من أسبوع على أمر جلل نزل بالمسلمين، وهو احتلال قوات الدولة الصهيونية المسجد الأقصى، وإغلاق بواباته بشكل كامل، بعد أن احتلت فلسطين منذ 70 سنة والقدس منذ 50 سنة.
فعلى الرغم من كل الإجرام الذي مارسته قوات الاحتلال من ذبح وقصف وتشريد للفلسطينيين، وهدم بيوتهم وتجريف مزارعهم وتهويد ثقافتهم وسرقة تاريخهم وتراثهم، وحتى أكلاتهم، ونسبها إلى نفسها زورا، إلا أن المسجد الأقصى كان ما يزال تحت إدارة وزارة الأوقاف الفلسطينية. أمرٌ لم يكن الكيان الصهيوني سعيدا به، ولكنه سمح باستمراره حتى حين. فلا يخفى إلا على غبي أو متغابٍ أن هذه الدويلة الدخيلة لا ترغب في السلام الذي يضمن العودة إلى حدود ما قبل احتلال 1967، بل هي تريد التوسع أكثر في الأراضي العربية، وتعتقد جازمة من خلال خرافات تاريخها المزور، بأن لها هيكلا يهوديا لا بد من إحيائه وإخراجه من تحت الأنقاض، وهذا الهيكل -يا سبحان الله- يقع تحت المسجد الأقصى! فتدميره هدف إستراتيجي بعيد الأمد، خاصة أن أحد أهم أسباب تعلق المسلمين بفلسطين هو وجود أولى القبلتين وثالث الحرمين فيها، وإلا لضاعت كما ضاعت الأندلس ومدن عربية وإسلامية عدة.
ولأن دولة الصهاينة حقيرة وخبيثة، فقد قامت بعد بضعة أيام من الإغلاق بإعادة فتح بابين فقط من أبواب المسجد الشريف، ولكن تحت شروط مذلة وغير قانونية، لم يقبل بها الفلسطينيون. هذه الشروط تشمل وضع بوابات إلكترونية أمنية كتلك الموجودة في المطارات، وفي حال «رن» الجهاز، فسيخضع الشخص لتفتيش آخر بالأجهزة اليدوية، أو تفتيش يدوي مباشر، إن لزم الأمر، وهي بوابات تابعة بالطبع لقوى الاحتلال التي تشرف عليها. أي باختصار ستشرف الدولة العبرية اللقيطة على شؤون المسجد الأقصى، فتتحكم فيمن يدخل فيه أو يخرج منه، بل وتتحكم في أوقات فتحه وإغلاقه، وكل ذلك بحجة الأمن. وكأن المصلين سيقومون بتهريب الأسلحة إلى داخل المسجد أو استخدامه مقرا للعمليات الشجاعة ضد دولة العدو. وهم لن يفعلوا ذلك طبعا لحرمة المساجد، ومكانة الأقصى من جهة، ولعدم تعريضه للخطر وإعطاء حجة للصهاينة للاعتداء عليهم.
سيأتيك صهيوني متنكر في زيّ ولسان عربي ويقول لك: وما المشكلة في وجود البوابات إن كانت لحفظ الأمن؟
الجواب: إن هذا مسجد إسلامي، وليس معبدا يهوديا. نحن كمسلمين نقبل أن تكون هناك حراسة من قوات الأمن في بلداننا الإسلامية، كما يحصل في المسجد الحرام والمسجد النبوي، فنفتح حقائبنا كنساء بطيب خاطر للمفتشة ونقدّر عملها. لكن لا نتخيل مجرد تخيل أن يقوم شخص من خارج المملكة العربية السعودية بالإشراف على الحرمين، حتى وإن كانت دولة مسلمة أخرى. لأن الإشراف على المقدسات يعني السيادة الإدارية والتنظيمية عليها، وإن كانت بالطبع لا يعني التملك، فهي ملك لكل المسلمين، ولكن من يحكم منطقة الحجاز المباركة يدير المقدسات وينظم الحج، هكذا كان الحال منذ ما قبل الإسلام.
فالسياسة تتداخل مع الدين في هذه الجزئية، ولا يمكن عزل إحداهما عن الأخرى كما تحاول إسرائيل إيهامنا. وبالتالي فإن تسليم المقدسات الإسلامية للإدارة الصهيونية فعليا، والإدارة الفلسطينية شكليا، هو تنازل صريح عن القضية الفلسطينية برمتها.
فمن سيتنازل عن الأقصى هل يُتوقع منه أن يطالب بحدود 67؟ أو أن يتمسك بحق اللاجئين في العودة؟
الفلسطينيون فطنوا إلى هذا الفخ، وخرجوا زرافات ووحدانا، برجالهم ونسائهم وأطفالهم وشيوخهم ومرضاهم، خرجوا بمسلميهم ومسيحييهم، بقادتهم شيوخ الإسلام ورهبان المسيحية، ليرابطوا هناك في أرض الرباط في هذا الصيف اللاهب، ليقولوا بصوت واحد: لا للبوابات! فرفضوا دخول المسجد الأقصى من البوابات التي فرضتها سلطات الاحتلال وأقاموا صلواتهم في الساحات والشوارع والطرقات المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك.  ويا للعار، أن تقوم قناة عربية تبث باللغة العربية بنشر خبر يقول بكل بجاحة الأرض:
«قوات الاحتلال حاولت إقناع عشرات الفلسطينيين بالدخول إلى الأقصى!»، فهداهم الله هؤلاء الفلسطينيين الذين لا يسمعون كلام الصهاينة الكرام ويرفضون الصلاة في مسجدهم!
نوع آخر من الصهاينة العرب، عرف بأنه يستحيل قول قناعاته الراسخة دون أن يتعرض لسخط الجماهير وكشف أوراقه، فاختار تجاهل القضية تماما، والتركيز على أعداء الأمة الأكثر خطرا بزعمه. الجيد في الموضوع -ورب ضارة نافعة كما تقول العرب- أنه كلما بدت بوادر صلح مع الكيان الصهيوني، وكلما سرت إشاعات التطبيع مع العدو، تقوم دولة الاحتلال نفسها بتصرفات استفزازية تعيد إحياء القضية، وتعود إلى توحيد صفوف الشعوب العربية، ليلتفوا حول أقصاهم، ويتناسوا كل خلافاتهم، فيتذكروا أن القبلة واحدة، والأرض واحدة، والمصير واحد والعدو واحد. وها هي نذر انتفاضة ثالثة عظيمة تلوح في الأفق، ولا تصلح المعاهدات في ظل شارع متفجر منتفض لدينه وكرامته حول مسرى رسوله.
إن السكوت عما يجري للمسجد الأقصى بأن يحصل له ما حصل للمسجد الإبراهيمي في الخليل، وهو ثاني أهم مساجد فلسطين، إذ أحكمت عليه قوات الاحتلال السيطرة، وباتت تغلقه أياما وتفتح أخرى، وتسمح لمن تشاء وتمنع من تشاء من دخوله، بل والطامة الأعظم أن هذا المسجد الإسلامي بات مفتوحا لغير المسلمين، ليس للزيارة وإنما لممارسة شعائرهم، فتفتحه إسرائيل لليهود في أوقات خاصة بهم، وأيام مقصورة عليهم! أمر لا يقبل به أتباع أي ديانة. تخيل، ندخل لنصلي في الفاتيكان؟ أو لنقيم الجمعة أو الجماعة داخل أي كنيسة مسيحية أو معبد بوذي أو هندوسي، فيما يُغلق في وجه أصحابه؟!
إن ما يحصل في فلسطين أمر جلل، أمر عظيم، يشبه سقوط القدس نفسها بعد النكسة، ويجب أن يكون موقفنا منه كأفراد وحكومات موازيا لهذا الحجم. على الأقل أن يلقى التعاطف والتأييد السياسي والإعلامي الذي نالته الرسومات الكرتونية الدنمركية المسيئة قبل بضعة أعوام.
فمعركتنا في فلسطين هي معركة وجود لا حدود، وهي معركة الأمتين العربية والإسلامية، لم تكن يوما قضية فلسطينية فقط، ولا يجب أن تكون. فحتى لو تنازل كل أهل فلسطين عنها
-وهم أبدا لن يفعلوا- فإن هذا لا يعفينا عن مسؤولية حفظ مقدساتنا وتحرير أراضينا.

المقال في جريدة الوطن

qrCode

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*