المقيمون ليسوا كلهم سواء

مع الإعلان عن قرب فرض ضرائب على الوافدين، انقسمت آراء المواطنين تجاه هذا القرار، وكل طرف لديه وجهة نظر تستحق النظر فيها.
فمنهم من يراه قرارا وطنيا موفقا، يهدف إلى توفير مدخولات جديدة للدولة، وربما سيؤدي إلى تقليص نسبة الأجانب العاملين في المملكة، مما يعني إفساح المجال أمام المواطنين السعوديين لا سيما الشباب، خاصة مع تزايد نسب البطالة، واحتكار بعض الجنسيات وظائف بعينها في الشركات الخاصة، والأجنبية على وجه الخصوص.
فريق ثانٍ يراه حِملا ثقيلا سيضاف إلى شرائح واسعة من المجتمع، الكثير منهم إخوة لنا.
فهم يعتقدون أن هذه الرسوم ستكون عبئا على أصحاب الدخول القليلة ممن يشغلون مهنا بسيطة، ورواتب غالبها لن تزيد على 5 آلاف ريال، وهم يعولون بها أُسَرا كبيرة، ومع غلاء المعيشة وارتفاع الإيجارت ورسوم تجديد الإقامات وتكاليف الدراسة والعلاج لا يبقى منها شيء يذكر.
بينما أصحاب الدخول الفلكية والمرتفعة، والتي ربما تراوح بين 20-100 ألف ريال شهريا، خاصة الأجانب من الجنسيات الغربية، لن يتأثروا بها مطلقا، لقلة أفراد الأسرة من ناحية، والراتب المرتفع من ناحية أخرى، فكل شيء آخر موفر لهم مجانا بشكل يفوق ما هو موفر للمواطن السعودي. فلديهم سكن مؤثث فاخر، أو بدل سكن مُجزِ، ولديهم تذاكر سفر سنوية، وتدفع جلإن لم تكن كلالشركات لهم تكاليف تعليم الأبناء في المدارس العالمية، أو حتى بعض الجامعات الأميركية. ولعل هؤلاء يرون أن الرسومإن كان لا بد منهافيجب أن تقنن على فئات بعينها.
فريق ثالث، يعتقد أن من حق الدولة فرض رسوم على كل من سيوقّع عقد عمل في المملكة بعد أغسطس 2017، أي أنه ينطبق على القادمين الجدد وليس القدامى، فليس لأحد التذمر من شرط سبق أن وافق عليه في العقد. سواء كانوا من العمالة الماهرة، أو الأيدي العاملة الرخيصة.
أعتقد أن حصر غير السعوديين تحت مظلة واحدة، واعتبارهم جميعا عبئا يجب أن تحاول الدولة التقليل منه، وأنهم ينافسون المواطن السعودي في رزقه، ويحولون ملايين الريالات شهريا للخارج، ليس أمرا دقيقا بالمطلق، كما سيتم التوضيح في هذا المقال، وعليه فإن التعامل معهم لا يجب أن يكون واحدا.
هناك ابتداءً المقيم غير النظامي، فهذا يجب معرفة أسباب تخلفه، ومنحه الفرصة لتصحيح وضعه أو إعادته إلى بلده، وهو ما قامت به الدولة مشكورة في حملاتها المختلفة خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ثم هناك المقيم الذي جاء بعقد عمل واضح، سواء كان من أميركا أو مصر أو كوريا أو لبنان، وهؤلاء غالبا رواتبهم جيدة، فلن يترك أحدٌ بلده ويتغرب إلا لراتب مُجزٍ، لا سيما إن كان من الطبقات المتعلمة والمهن الرفيعة، كالأطباء والمهندسين والصيادلة والمعلمين وأساتذة الجامعات والخبراء والمستشارين بأنواعهم. فهؤلاء يقومون بالفعل بتحويل جزء لا بأس به من رواتبهم لبلدانهمفهذا الهدف من المجيء للعمل في المملكة بالأساسوبالتالي في حال تغير عليهم الوضع، أو شعروا بأن تكلفة الإقامة هنا تفوق المدخرات التي سيستفيدون منها، فلن يكون من الصعب عليهم اتخاذ قرار الاستقالة والعودة إلى أوطانهم. لا سيما أن جُلّهم جاؤوا من بلدان مستقرة سياسيا وأمنيا.
وهناك المقيم الآخر الذي إما وُلد هنا، فلا يعرف وطنا غير السعودية، أو جاءها طفلا وانقطعت كل صلاته ببلده الأصلي. هذا المقيم، لا يقوم بتحويل أي جزء من راتبه إلى الخارج غالبا، لأن أهله جميعا معه هنا. بل نظرا لأن بعض أفراد أسرته حصلوا على الجنسية وفق النظام القديم الخاص بالمواليد، فستجد أن كثيرا منهم جزء من أسرة مختلطة بين المواطنين والمقيمين حتى لا تميز بينهم. هؤلاء يعيشون تحت ضغط نفسي شديد، فمن ناحية هم يشعرون أنهم سعوديون ولادة وروحا وقالبا، حتى إن لم تقل الأوراق الرسمية ذلك، ومن ناحية أخرى يشعرون بالغبن لأنهم يواجهون معاملة مختلفة، باعتبارهم رسميا أجانب.
ولأنهم أجانب، ففرصهم في التوظيف أقل ورواتبهم كذلك، فضلا عن عدم تمكن الغالبية منهم من الاستفادة من التعليم الجامعي الحكومي. وإذا ما فكروا في العودة إلى بلدانهم الأصلية تواجههم معضلتان أساسيتان: أولا، كيف يفترقون عن أهاليهم وعن عائلاتهم؟ ما الإنسان دون إخوة وأقارب وأرحام؟ ثانيا، أن أهلهم في الأصل نزحوا من بلدان فيها فاقة شديدة وحروب مستمرة. كيف سيستطيع من وُلد في مكة أو ترعرع في جدة أو تعلم في الرياض أن يعود للعيش في قرية نائية؟ أو مدينة تعيش تحت القصف اليومي وتحكمها ميليشيات وعصابات؟ أو أخرى أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الكوليرا فيها باتت وباء يحصد أرواح الآلاف؟
فهؤلاء ليسوا هنا لسرقة خيرات المملكة، وأخذ مكان المواطن السعودي، هم هنا لأنهم يحبون هذا البلد من ناحية، ولأن خياراتهم الأخرى معدومة.
ومثلهم المقيمون المتزوجون بسعوديات، أو المولودون لأمهات سعوديات، هؤلاء يشعرون بغبن مضاعف لأنهم يعتقدون أنه كما يحق للمواطن منح جنسيته لأبنائه من أم غير سعودية، فإنهم يستحقونها كذلك. ولأن الزوجة هي السكن والمرفأ، والأم هي الوطن، فهؤلاء كذلك لا يتصورون حياتهم بعيدة عن أمهم وأخوالهم ومدينتهم وأرضهم التي لم يعرفوا سواها. وهم يعيشون في انتظار ذلك التغيير الجوهري في نظام الجنسية الذي باتت الحاجة إليه مُلحة لتصحيح أوضاع هؤلاء «السعوديين بلا أوراق».
الوافدون أو المقيمون من غير السعوديين ليسوا سواء في هذا البلد، لا من ناحية الجنسية الأصلية، ولا طبيعة الإقامة، ولا الرواتب ولا المزايا ولا الظروف الأسرية والاجتماعية والسياسية المحيطة بهم. وعليه فإنه يؤمل ألا ينظر النظام لهم بعين واحدة، حينما يتم استحداث قرارات جديدة بخصوص غير السعوديين، سواء كانت إجرائية أو نظامية أو مادية.
من حق أي دولة أن تعتني بمواطنيها، وأن تسعى إلى تحسين اقتصادها، بل ومن المتعارف عليه دوليا أن يكون للمواطنين مزايا في بلدانهم تشمل أولويتهم خريطة المملكةفي التعليم والتوظيف وغيرها من الخدمات. لكن هذا لا يعني أن ننسى شركاء الوطن الذين شاركونا في بنائه، وعاشوا معنا في أحلك الظروف، والذين لا يحملون في قلوبهم سوى كل الود والعرفان لهذا الوطن المعطاء.

المقال في الوطن

qrCode

One Comment

  1. Ahmed Shaheen says:

    السلام عليكم
    انا مقيم بالمملكة قدمت في العام 2011 ولا مانع لدي من فرض رسوم أو ضرائب حتى إن كنت سأعامل بآدمية ويكون لي الحق في الخروج والعودة طالما احمل رخصة إقامة كما هو الحال في دول أخرى خليجية وغير خليجية.
    ثانيا: أصبحت هناك لهجة غريبة نراها في الشارع من الشباب السعودي الصغير تجاهنا وهي النظر للمهندس أو الطبيب كأنه حرامي وليس إنسان يعمل ويتقاضى راتب وذلك لحاجة المجتمع له.
    ثالثا : الدول العظمى والدول صاحبة الإقتصاد القوي دائما تحتاج لعمالة ماهرة سواء كانوا مواطنين أو غير مواطنين كما هو الحال في ألمانيا مثلا.

    وشكرا جزيلا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*