حكاية حب

استيقظت يوم الأحد الفائت على خبر رحيل أديبنا الكبير الدكتور غازي القصيبي، صدمتُ واحتجت بعضَ الوقت لأستوعب الخبر على الرغم من معرفتي بمرضه الأليم. سينعى القصيبي كثيرون.. متشابهون ومختلفون، سينعاه الساسة والوزراء والإداريون والأكاديميون والمفكّرون والأدباء والشعراء والكتّاب، وسيبكيه العروبيون والمناضلون والليبراليون والإسلاميون، وسيدعي كلُّ منهم أنه -في الأصل- واحد من منهم، وحينما ينتهي المزاد سيبتسمون بحزن في سرهم، وسيقولون ها هو ابن النخيل يفعلها من جديد حتى بعد موته! يتركهم مختلفين في آرائهم عنه ومتفقين على أنه رجل استثنائي. فقد كان أستاذاً جامعياً وإدارياً ووزيراً وسفيراً، وفي الوقت نفسه كان شاعراً وقاصاً وروائياً وكاتباً ومفكراً، ظل عاشقاً للحرف حتى آخر لحظات حياته، فهاهو في مرضه يكتب قصيدة (الوداع) وروايته (الزهايمر) التي صدرت يوم وفاته.
حين ينشر مقالي سيكون الكثيرون قد كتبوا عنه، وسيواصل آخرون فعل ذلك، وفي كتاباتهم سيعددون مناقبه ويسجلون إنجازاته، وأنا قررت أن أدع ذلك لهم، وسأكتب عن حكايتي أنا معه. أفعل ذلك كنوع من الوفاء والاعتراف بالفضل لأهله. وكم أشعر بمرارة عارمة لأنني أكتب هذه الكلمات بعد رحيله، إنها عادة عربية سيئة ألا نعبر عن عواطفنا بصدق نحو الذي نحبهم إلا بعد رحيلهم، ولا نمجد العظماء الحقيقيين إلا بعد أن تفيض أرواحهم.
سمعت اسمه للمرة الأولى وأنا في المرحلة المتوسطة، حينها صدرت روايته الأولى “شقة الحرية” التي قُوبلت بموجة من الغضب، ومن ثم صدر القرار بمنعها في السعودية. بدأت أتساءل عن هذا الرجل المثير للجدل، فعرفت بأنه سفير السعودية في بريطانيا وهو وزير سابق أيضاً، وأتذكر تماماً أن هذه المعلومة أثارت حيرة الطفلة التي كُنتُها. فإذا كانت كتبه ممنوعة فهذا يعني أن فكره خطير على البلاد، وإذا كان فكره خطيراً عليها فكيف يغدو سفيراً لها؟! والعكس صحيح. وترددت كلمات من عينة “علماني”، ولأنّني لم أكن أفهم بشكل واضح معناها فالحجة لم تقنعني، وأخذت أبحث خلال السنوات اللاحقة عن كتبه وإنتاجه الأدبي، فوجدت شيئاً يسيراً في المكتبات المحلية التهمته التهاماً، فقد أعجبني أسلوبه وراقتني سخريته اللاذعة. وسيمضي بعض الوقت حتى يدخل الإنترنت البلاد وأكتشف التسوق الشبكي، وحين وقعت على موقع مكتبة (النيل والفرات) كنت كمن وصل إلى مغارة علي بابا! ووسط شكوك من حولي في قدرة الكتاب على الهروب من الرقيب الجمركي، جازفت واشتريت أول كتاب عبر الإنترنت وكان عنوانه: “شقة الحرية”، وحين وصلني سالماً قررت مواصلة اللعبة. بعد ذلك واصلت شراء معظم كتب الدكتور القصيبي- أو بالأصح تهريبها- عبر الإنترنت، مع استثناءات قليلة اشتريتها في جدة أو لندن: العصفورية، ٧، حكاية حب، رجل جاء وذهب، دنسكو، سعادة السفير، سحيم، الجنية، التنمية الأسئلة الكبرى، من هم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون؟ ثورة في السنة النبوية، حتى لا تكون فتنة، باي باي لندن، سلمى، وغيرها الكثير. أما كتاب (حياة في الإدارة) فقد وصل هدية إلى والدي فتلقفته، وأعتقد أنني سرقته لاحقاً وأنه يرقد الآن على رف مكتبتي الخاصة. الطريف أنه صار من المعروف أنه كاتبي المفضل، فلم يكن غريباً أن تصلني كتبه كهدايا، فمعي هنا في لندن ديوان (حديقة الغروب ١٤٢٨ – ٢٠٠٧) والذي يحمل إهداء أخي عمّار.
قرأت شقة الحرية الجميلة بمتعة كبيرة مازلت أتذكرها إلى اليوم على الرغم من أنني نسيت أسماء أبطال القصة ووقائعها المختلفة، لكن تلك المتعة لم تكن السبب الذي يجعلني أكن كل هذا الاحترام لشخص كاتبها، وإنما كان السبب هو أنني تعلمت منها درساً مهماً سأظل أنتفع به حتى آخر يوم في حياتي، وهو ألا أؤجر عقلي لأحد كائناً من كان، وألا أحكم على شيء أو شخص بناء على ما يقوله الآخرون، وأن على المرء ألا يخاف من الفكر أبداً مادام محصناً بإيمانه ووعيه وقدرته على إعمال عقله..النعمة الإنسانية الأعظم. قد يبدو هذا الكلام إنشائياً اليوم، ولكنه كان يعني الكثير يومها لجيل ولد ونشأ وتربى في جو أحادي الثقافة، ثم فجأة تدفق عليه الانفتاح من كل حدب وصوب فعاش مرحلة من عدم التوازن والاستقرار. كان توقيت القراءة نفسُه مناسباً جداً، وأنا أخطو خطواتي الأولى في الجامعة، وبالتالي فالدرس الذي منحتني إياه فتح قلبي وعقلي على روائع الأدب والفكر. فقرأت له ولتركي الحمد وأحلام مستغانمي ونجيب محفوظ (أولاد حارتنا) وعبدالرحمن منيف ومحمد شكري ونزار قباني وغيرهم من المغضوب عليهم رقابياً، ووجدت فيما قرأت الكثير من كل شيء.. غثٌ وسمين، أعمالٌ فيها بالفعل تجاوزات لا أؤيدها وأخرى غاية في الروعة.
وتعلمت من سيرته أموراً أخرى، وهي كيف يظل المرء وفياً لمبادئه ولقضايا أمّته رغم تعقيدات السياسة والالتزامات الثقيلة التي تكبل المرء حين يغدو أحد رجالات الدولة وزيراً أو سفيراً، قليلون هم الذين يستطيعون الاحتفاظ بحيادهم ناهيك عن التصريح بحقيقة مشاعرهم. فالقصيبي كان قوميّاً حقيقيّاً وليس أسيراً للشعارات الرنانة، وإنّما محبّاً للعرب متمنياً الخير لهم، وفخوراً بلغته وتاريخه، وظل وفياً لقضية فلسطين مؤمناً بحق الشعب في النضال ضد المحتل، وحين ترجم إيمانه هذا قصيدة في الاستشهادية الشابة (آيات الأخرس) فقد دفع وظيفته كسفير في لندن ثمناً لذلك. وحين صار وزيراً لم يتحول، هو الذي يمقت الفساد، إلى رجل أعمال بين ليلة وضحاها، ولم يستغل منصبه لصالح أولاده ولم يورثهم إياه. تعلمتُ أيضاً كيف يترفع المرء عن المعارك الجانبية مع خصومه الفكريين، بل يتفرغ لعمله وللأشياء التي يحبها، وكما يقول المثل الإنجليزي: دع الأفعال تتحدث عن نفسها.
كنتُ قد بدأت أنسى كم أحببت سيرة هذا الرجل وفكره وحروفه وشعره ونثره ورواياته حتى تركت لي صديقتي العزيزة منال الشريف على صفحتي بالفيسبوك الكلمات التالية: “عزيزتي مرام يجب أن أقول إنك أول من عرفني على هذا القلم المدهش حين زرتك في بيتكم في جدة قبل سنوات..أخذتني لغرفتك وأخرجتِ كتب القصيبي من المكتبة وجلستِ تتحدثين عن كل واحد منها بحب واعتزاز.. حتى عيناك كانتا تلمعان حماسة وأنت تتكلمين.. فاستعرت كتبك وبدأت حكايتي حبي أنا أيضاً معه ومعها”.
كانت لي أمنية عزيزة وهي أن ألتقي كاتبي المفضّل شخصيّاً، ولكنه للأسف غادر لندن في اليوم التالي لوصولي إليها لدراسة الماجستير، ثم جمعنا لقاء الملك عبدالله في السفارة في لندن، وكان يجلس أمامي مباشرة لا يفصلنا سوى صف واحد، لكن للأسف -مرة أخرى- لم يتسع المقام لا لسلام ولا لقاء.
كبيراً كنت في حياتك يا أبا يارا.. واليوم صعدت روحك الكبيرة هذه لبارئها..وسيقرأ الناس عنك بعد الآن في الكتب فقط.. وستأتي أجيالٌ تسأل بفضول: أي رجل كان الدكتور غازي القصيبي؟ وسنقول لهم كان أديباً مبدعاً ووزيراً مدهشاً وسفيراً رائعاً.. كان نظيفاً وأبيّاً حتى النهاية.. علمنا الكثير.. سأودعك الآن كما طلبت منا أن نودعك: “وإن مضيتُ فقولي لم يكن بطلاً.. لكنه لم يقبل جبهة العار”.

المقال في الوطن

العربية – نت

qrCode

10 Comments

  1. صالح الطاسان says:

    فعلا سيفقد الوطن هذا الرجل الصادق في رسالته
    رحمك الله يا دكتور غازي

  2. في يوم الأحد شعرت بخسارة كبيرة رحمه الله

  3. وفي كل يوم أشعر بحجم الخسارة يكبر :”(
    يا للحزن!

  4. غفر الله له وأسكنه فسيح جناته

    نبتهل الى الله أن يجعل من جيلنا من يفعل فعله

    انسان شريف وحر بكل ما تعنية هذه المفردة من معاني

  5. طارق الورثان says:

    تأبى الحقيقة إلا أن تظهر و يعترف القاصي و الداني بمقدار هذا الرجل الذي ملأ الدنيا و شغل الناس, فكل مواطن و عربي و مسلم منصف حزن لموت أستاذي الدكتور غازي القصيبي, الذي عمل أعمالاً جليلة لا تعد ولا تحصى بل أن عدة أشخاص ممن ينعق بخلاف ذلك لم يفعلوا في حياتهم كلها مقدار ما فعله شهيد الثقافة و الفكر في خلال شهر أو يوم واحد.
    رحمك الله يا أبا يارا و جمعنا و إياك في جنات نعيم

    يا أبا يارا
    سيذكرك قومي إذا جد جدهم—- و في الليلة الظلماء يفتقد البدر

  6. طلال الحربي says:

    رحمة الله تعالى عليك يا غازي

    فقد كُنت نعم الرجل النزيه والأمين على كل منصب نزلت به ..

  7. Ali Alhazmi says:

    يالله …. حينما نريد الحديث عنه يعجز اللساان عن الحديث عنه وترفض الكلمات والحروف ان تخرج مخافة ان تقل في وصفه ولا تعطيعه حقه ..ومن انا لأصفه .. ومن انا لأتحدث عنه.. فكم من شخص قد تحدث عنه وماذا سأضيف عنه ربما اسضيف شيئا بسيطا قد سبقني به الكثير وهو حبي له .. كم كااان جميلا ورائعا ورجلا بسيطا محباا للناس .. احببناه دائما وسنضل نذكره دائما فهو وان غادرنا الا انه سوف يبقى في قلوبنا بما تركه لنا من ارثه الادبي ..احببتك دائما وسوف ابقى احبك وسوف تظل العيون تبكيك ويرفض الدمع عن التوقف
    رحمك الله .. واسكنك فسيح جنته …..
    ياابو يارا

  8. Ayman Hamed says:

    اللهم تقبله برحمتك التي وسعت كل شيء
    اللهم اغفر له
    وارحمة
    اللهم انك عفوا تحب العفو فأعفو عنه
    شكرا مرام

  9. بالفعل الدكتور غازي القصيبي من اثمن ما فقده الوطن خلال تاريخه ولكن ليس بوسعنا الوقوف في وجه القدر لحكمة ارادها الله سبحانه وتعالى رحمه الله واسكنه فسيح جناته.

  10. عبدالله السحيم says:

    لله درك ياغازي …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*