حين تكون العقوبة أكثر ضررا من الجريمة

universityمن أمن العقوبة.. أساء الأدب. مقولة لطالما حفظناها ورددناها وطالبنا بها، لردع بعض من تسول لهم أنفسهم الاعتداء بالقول أو الفعل على الحرمات أو الممتلكات، أو إيذاء الآخرين بأي شكل.
فوجود الأنظمة والقوانين هو أساس لحفظ الأمن والحقوق. وفي كثير من الأحيان تكون العقوبات جزءا من التربية والتعليم، لا سيما في الفئات العمرية الصغيرة.
فهنا، العقوبة تكون نافعة لأنها تنقذ الطفل أو المراهق من الاستمرار في خطأ قد يجر عليه الويلات طوال حياته، وهي فرصة ليتعلم الدرس باكرا، لذلك يسمى سجن الصغار «إصلاحية».
لكن، هل كل المخالفات تستوجب العقوبات؟ وهل كل العقوبات مكافئة للمخالفات التي تجازى عليها؟
هذه الأسئلة أطلت برأسها الأسبوع الماضي، فمن ناحية هناك الخبر الذي تناولته وسائل الإعلام عن قيام جامعة أم القرى بفصل 27 طالبة، لأسباب أبرزها تناولا هو التشبه بالرجال، ومن ناحية أخرى نسمع بين حين وآخر في الأقسام النسائية في جامعاتنا الحكومية المختلفة، عن غياب بعض الطالبات دون أعذار ولفترات طويلة، فنكتشف أن السبب هو منعها من الدراسة من وليّها، سواء كان أبا أو أخا أو زوجا، وذلك عقوبة لها أو تنكيلا بها.
فإذا أخذنا أولا النوع الثاني، وهو حرمان الطالبة من الدراسة الجامعية، وهي أحيانا قاب قوسين من التخرج، ففيه ظلم كثير لها وهدر لموارد الدولة.
الطالب الجامعي الواحد يكلف الدولة مئات الآلاف من الريالات، وصحيح أن الدولة لا تستطيع إجبار أحد على مواصلة دراسته إن لم يرغب في ذلك، لكنها تستطيع التدخل -في رأيي- لتمنع إجباره على الانقطاع، من باب اقتصادي إن لم يكن من باب حقوق الإنسان.
الطالبة الجامعية مواطنة راشدة، يتجاوز عمرها الثامنة عشرة، لكنها تعامل داخل أسوار الجامعات وخارجها في المجتمع وكأنها قاصر، وكأنها ما زالت تلميذة في المدرسة، فُتفرض عليها كثير من القيود التي لا تُفرض على شقيقها في الجامعة نفسها.
والأمر نفسه في الأسرة، فالفتاة التي تتورط في أبسط خطأ ستتعرض للعنف والحبس والمنع من وسائل الاتصال، بينما يعرف الوالدان أن فرض مثل ذلك يكاد يكون مستحيلا على ابنهم الشاب الذي يستطيع ببساطة الهرب والإقامة عند أصدقائه، ولا يحتاج إلى موافقة ولي أمره.
وعلى افتراض أن الفتاة ارتكبت جرما من نوع ما، يتفق على عدم صحته الجميع، هل حرمانها من التعليم عقوبة مناسبة؟ هل هي عقوبة هدفها الردع؟ أم عقوبة الهدف إنهاء مستقبلها، أي الانتقام؟
من المعروف أن الشخص الذي ليس لديه ما يخاف عليه، والذي خسر كل شيء كان يعنيه، مستعد لفعل كل شيء وأي شيء. فالحياة والموت يستويان عنده، وبالتالي نحن نوجه بناتنا باتجاه الدمار والضياع ونلقيهن في المجهول، حيث لا شهادة ولا وظيفة ولا حلم، إلا انتظار العريس، وحتى هذا العريس «الجيد» لن يأتي بعد أن تم فضح الفتاة بحرمانها من التعليم، فسيسأل الجميع عن السبب.
وإذا كنا نستغرب صدور مثل هذا الحكم القاسي من الوالدين، اللذين قد يكونان جاهلين، فنحن نستغرب أكثر صدوره من صرح تعليمي عريق مثل جامعة «أم القرى».
ومع أن الأخبار لم تشر ما إذا كان الفصل جزئيا أم كاملا، أي طي قيد الطالبة نهائيا، وفي كلتا الحالتين فإن الخبر يستحق التوقف عنده.
فلو أن الطالبات المفصولات قد ثبت عليهن الاعتداء على الأخريات، أو شوهدن في أوضاع غير لائقة ومخلة، أو ارتكبن مخالفات أكاديمية كالغش أو التزوير، لكان الفصل مقبولا، أما أن يكون للأسباب الشكلية «المضحكة» والتي ذكرتها بعض الصحف مثل: قصة الشعر، أو تميزهن بعراضة المنكبين، أو وجود شامة في الوجه، أو استخدام العطور الرجالية، أو عدم استخدام المكياج!، فهنا لا بد للمرء من وقفة. باختصار، أرادوا القول إن الفتيات المفصولات مسترجلات بالمصطلح الفصحيح، أو «بويات» كما يعرفن شعبيا، ولعلها فرصة لنا كمجتمع لنتوقف عن دفن رؤوسنا في الرمال، ولتفعيل الأقسام الأدبية المعنية مثل علوم النفس والاجتماع والشريعة لدراسة هذه الظاهرة، بدلا من المناداة بإغلاق هذه الأقسام بدعوى بطالة المتخرجين منها.
والحقيقة، أننا نحن من لم نعرف كيف نوظف معارف هؤلاء لمصلحة الوطن. فلو عمل هؤلاء إلى جانب الأطباء والممرضين والمعالجين النفسيين لربما توصلنا إلى أمرين:
1) حددنا أسباب رغبة فتاة في التحول إلى شاب؟ هل هي أسباب طبية مثل التخنث أو اختلاط الجنس العضوي؟ أم أسباب نفسية؟ أم مجتمعية؟ أم من باب العناد وتحدي الدين والمجتمع فحسب؟
2) إذا عرفنا أسبابها، عرفنا كيف يجب أن نتعامل معها بالشكل الصحيح. فمن تحتاج علاجا عضويا أو نفسيا يقدم لها، ومن تحتاج إعادة تأهيل وبناء الثقة بنفسها كأنثى وامرأة يقدم لها، ومن تعاني مشكلات أسرية نبحث عن حلول لها.
هذا بالطبع إذا كنا نبحث، خصوصا كجامعات وصروح علمية وبحثية، عن حلول حقيقية وعملية وواقعية لمثل هذه المشكلات، أما إذا كان هدفنا فقط «تطهير أروقة جامعاتنا»، فسنكتفي بالطرد، ونلقي بالمشكلة من عندنا إلى المجتمع، العاجز بدوره عن حلها. وبالتالي لم تعد عندنا امرأة مسترجلة فقط، بل وعاطلة وبلا أمل في المستقبل، وفوقها حاقدة على مجتمعها الذي حرمها فرصتها في التعليم، فكيف تتوقعون بأنها ستتصرف أو ستكسب عيشها بشرف؟ لن نتحدث عن عريس الغفلة هنا، لأن العرسان لا يبحثون عن مسترجلات.
ضرورات الحياة: الهواء والماء والغذاء والأمن والصحة، ويأتي بعدها مباشرة التعليم، لأنه الطريق للعبور إلى المستقبل، فكما أن السجون لا تحرم حتى أعتى المجرمين من حقوقهم الإنسانية الرئيسية، فإنه لا ينبغي أن تتضمن العقوبات الأسرية، أو تلك الصادرة عن المؤسسات التعليمية الرسمية حرمانا أبديا من التعليم. خاصة في بلادنا التي تميزت وأبدعت في إعادة تأهيل الإرهابيين عبر برامج المناصحة، ومنحتهم الفرصة لحياة جديدة، رغم تورط بعضهم في جرائم، وفي التآمر ضد الدولة، وفي التخطيط لزعزعة الأمن، فلا أظننا عاجزين عن استيعاب فتاة متشبهة برجل، أو طالبة لا تسلك سلوكا محترما، فقط لو توافر الدعم وتوافرت الإرادة.

المقال في الوطن

qrCode

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*