خبير أجنبي!

كنتُ في قطارالمترو اللندني أتصفح صحيفة “الإيفنغ ستاندردز”، وحين وصلتُ إلى صفحة إعلانات الوظائف شدني أحدها. فهو يمتد في وسط الصفحة وكأنه يقسمها إلى نصفين. تظهر في جزئه الأيسر صورة رجل أجنبي يبتسم وهو يواجه رجلاً خليجياً لا نرى سوى ظهره وشماغه قائلاً: “لديك كل شيء لخدمتك.. الراتب العالي.. الحياة الاجتماعية الثرية والنشاطات الترفيهية.. والسفر. العربية السعودية يمكن أن تصبح المكان الذي تريده أنت”. وبالطبع حين قرأتُ اسم السعودية في هذا الإعلان الساذج، ازداد فضولي لمعرفة المُعلن، فانتقلت بعيني إلى الجانب الأيمن فوجدت شعار الشركة العملاقة مشرقاً في الركن الأيمن. واصلتُ القراءة لأعرف ما هي هذه الوظيفة التي يُدفع ثمن إعلانها بالجنيه الإسترليني للبحث عن خبير أجنبي في بلاد ما وراء البحار. وبالطبع سيُمنح راتباً بالعملة الصعبة (وبلا ضرائب) يكفي عشرة سعوديين، وسيُصرف عليه وعلى زوجته ومدارس أولاده (في الداخل أو الخارج)، بالإضافة إلى تذاكر الطيران والإجازات، والتأمين الصحي المجاني، والسكن المجاني، وكلها أمورٌ ذُكرت في الإعلان الذي بدا وكأنه يتسول مجيء الأجانب إلى بلادنا. فماذا برأيكم كانت تلك الوظيفة المعلن عنها ؟
لو أننا كنا نتحدث عن مهندس في تخصص دقيق، أو طبيب عالمي، أو خبير تخطيط إستراتيجي، أو حتى إداري ناجح لمشروع حديث، لكان يمكنني تقبل الأمر. أما أن تكون الوظائف المعلن عنها متعلقة بالموارد البشرية، فهذا ما يصعب عليّ قبوله، ليس استهانة بهذه الوظيفة المهمة، ولكنها ليست من العلوم التي يصعب التحصل عليها، وأستغرب أن الشركة لم تستطع حتى الآن أن تحقق اكتفاء ذاتياً في وظيفة من هذا النوع.
وهذا ليس الإعلان الوحيد الذي قرأته في الخارج لوظائف سعودية. ففي السابق قرأت إعلانات لجامعة البترول والمعادن، والأمر نفسه بالنسبة للكليات الأهلية وبعض الشركات الخاصة. ومؤخراً قرأت إعلانا لجامعة “كاوست” نشر في العدد الأخير من مجلة (IEEE Computer) عن رغبتها في الحصول على خريجي مرحلة الدكتوراه، وذلك لتحضير مرحلة أبحاث ما بعد الدكتوراه، والتي تستغرق عاماً أو عامين. ولا بأس في ذلك، ولكن ألا يفترض أيضاً أن يُنشر مثل هذا الإعلان أيضاً في مطبوعة أو صفحة إلكترونية يطلع عليها الكثير من السعوديين والسعوديات مثل مواقع الملحقيات الثقافية كما تفعل بقية الجامعات السعودية؟
إننا نتحدث عن البطالة منذ سنوات طويلة جداً، وحتى اليوم تبدو القضية كالوحش ذي الرؤوس المتعددة الذي كلما قطعنا له رأساً نبت له آخر جديد. ففي الوقت نفسه الذي نتحدث عن البطالة نقرأ إعلاناً من هذا النوع، وبالتالي تصبح القضية واضحة جداً ومؤلمة أيضاً. فمازال رب العمل يعاني من أحد مرضين نفسيين: الجشع أو عقدة الخواجة.
أما الجشع فيظهر جلياً حينما يصر بعض رجال الأعمال على استقدام العمالة الرخيصة، توفيراً للنفقات وأيضاً لقدرته على “استعبادهم” وهو أمر مؤسف. فهو ليس فقط يحرم السعوديين من وظائف في بلدهم وإنما أيضاً يشوه صورة البلد ويجلب عليها غضب الرب.
أما عقدة الخواجة، فهي إصرار رب العمل أو المسؤول على إحضار شخص من بلاد الفرنجة، لأنه يعتقد أن العيون الزرقاء مع الشعر الأشقر والرطانة الغربية تساوي موظفاً متميزاً لا نظير له في الصحراء العربية القاحلة !!
لست ضد الأجانب الغربيين، فالمشكلة ليست معهم على الإطلاق، فليس ذنبهم أن أحدهم عرض عليهم وظيفة متميزة براتب خيالي فقبلها. وبعضهم لديه فعلا خبرة كبيرة نحتاجها، وأنا أؤمن بأن وجود نماذج مختلفة من البشر في مكان واحد يثري بيئة العمل. وإنما القضية هي من نستقدم؟ ومتى؟ ولماذا؟
فشغل الوظائف بسعوديين هو الأصل، فإن لم يوجد ننظر لغيرهم. والأمر الآخر، هو ألا يكون هناك هذا الفارق الهائل بين الموظف السعودي والموظف الغربي اللذين يقومان بالعمل ذاته، ولهما نفس سنوات الخبرة. نعم أتوقع أن تكون هناك بدلات سفر وسكن وطبابة لشخص تحضره من الخارج، لكن أن يكون راتبه ثلاثة أضعاف راتب المواطن فهذا ما يسبب الإحباط لأي مواطن سعودي يعرف أنه لو انتقل مع زميله هذا نفسه إلى بلد الثاني لوجدا نفس المعاملة وقبضا نفس الراتب.
والإصرار على إعطاء الوظيفة للمواطن ليس قضية سعودية فحسب، فنحن نعيش في بريطانيا هذه الأيام فورة الانتخابات التي ستقرر رئيس وزراء بريطانيا المقبل، وقضايا الهجرة والبطالة وإعطاء الوظائف للمواطنين في قلبها. ومازال رئيس الوزراء البريطاني يرفع شعاره “الوظائف البريطانية للعمال البريطانيين”. بل ويبدو أن الكساد الاقتصادي العالمي له تأثيره الكبير على مزاج الناس هنا، فأصبح هناك من يطالب بأن تُمنح الأولوية للبريطانيين بالولادة قبل البريطانيين بالتجنس، وهي سابقة خطيرة في دولة قانون وديموقراطية وحقوق إنسان مثل المملكة المتحدة. بل ولأن الناس هنا بدأت تضيق بالعمال من دول الاتحاد الأوروبي الجديدة مثل بولندا، هناك مطالبات للخروج من الاتحاد الأوروبي نفسه، للتخلص من العمالة الشرق أوروبية.
الأصل في الأمور أن يعيش الإنسان في بلده مكرماً مكتفياً ومرتاحاً، و ألا يقرر تركه إلا مختاراً بحثاً عن فرصة أفضل، لكننا بتنا نسمع عن سعوديين يهاجرون بحثاً عن لقمة العيش في حين تحتضن بلادهم ملايين الأجانب ومن بينهم نسبة لا يستهان بها من أصحاب الرواتب الفلكية، هناك إذن خلل ما.. فمن يصلحه ومتى؟

المقال كما نشر في الوطن

المقال كما نشر في العربية – نت

qrCode

9 Comments

  1. حق من حقوق المواطن ان يتقدم على الأجنبي ان تساويا في المهارة والخبرة. بل يجب ان يمنح فرصة أعلى لأنه استثمار انساني للوطن. مقال جميل.

  2. عقدة الخواجه هي ما أظنه يتفشى بنفوس أرباب العمل

    المشكلة ستتفاقم بعودة المبتعثين هذه السنوات وخصوصًا أنهم

    سيملكون تخصصات تنافس تخصصات الخواجات

    شكرًا لك

  3. Some1Unique says:

    اااااااخ بس والله شي يقهر
    تخيلي يا دكتورة اعرف واحد يقربلي يشتغل في كاوست
    سعودي وراتبه ما يتعدى مع البدلات الـ 10 الاف ريال
    وهو في منصبه مدير على عدد من الموظفين من بينهم واحد بريطاني البريطاني دا ياخد اكتر من مديره السعودي
    ياخد 15 الف دولار = 56,254.96 ريال
    والله شي يقهرررررررررر

  4. فاطمة المرهون says:

    عزيزتي باختصار أبدعتي…

  5. إنها عقدة النقص مع الأسف
    إذا كان هذا تفكير جهات التوظيف الكبيرة والتي من المفترض أن تكون أكثر وعياًً

    يبدو أن الحل في المهدي المنتظر !

  6. رجاء says:

    أعتقد الموضوع أكبر من مجرد عقدة الخواجةفهناك عدة عوامل متشابكة تشكل ظاهرة بطالة المواطنين و إرتفاع نسبة العمالة الأجنبية . ومن أبرز هذه العوامل أهمها الأمبيرياليةو قوة نفوذ أصحاب رأسمال و تقسيمهم العمالة إلى فئات وفقاً لمصحلة رأس المال و ليس العمالةبالإضافة إلى ضعف القانون في تطبيق أنظمة السعودة. و إذا نظرنا لحال المراة نضيف عليها الثقافة الذكورية التي تهمش دور المراة في سوق العمل.

  7. رجاء says:

    الحل في يد رجال الأعمال الوطنيين و ليس الجشعيين. و قد قرأت مؤخراً عن أثنين من النماذج المشرفة لرجال الاعمال المؤمنين بقدرات أبناء الوطن و حقهم في العمل حيث طبقو ا السعودة الكاملة في منشأتهم. و عقبال البقية . و لكن السؤال هو هل يمكن الاعتماد على الضمير الحي و الوطنية الصادقة لرجال الأعمال أم فرضها بالقانون و المتابعة الصارمة لتفعيل هذه القوانين كحق من حقوق المواطن.

  8. مومشكله لوكان له فائده للشركة وللوطن

    أن يؤخذراتب وغيره من المخصصات

    لكن المصيبه إذا وجد البديل لمواطن ولايجد

    وظيفه بسبب الاجنبي .

    والأعظم إذا أخذالفكره إن الأجنبي أفضل من

    المواطن لا أطيل ولكن أقول

    متى تحس الدوله واصحاب الاموال أن من حق

    المواطن أن يجد بعدتعبه مايرضي طموحاته

    شكرا مرام

  9. أتفق معك تماما يا دكتورة مرام في كل ما جئتِ به…الأفضلية لجودة الموظف و احترافيته بغض النظر عن جنسيته و لو تقدم سعودي و أجنبي لهما نفس المؤهلات فالسعودي أولى…
    بالنسبة لي و لله الحمد و منذ بداية هذا العام الدراسي اجريت عددا كبيرا من المقابلات الشخصية مع متقدمات سعوديات و أمريكيات…و على مر الأيام أثبتت السعوديات أنفسهن و لم تصمد الامريكيات امام المعايير العالية التي نطلبها و التي لا تتطلب عيون زرقاء و شعر اشقر..
    لدينا في القسم اليوم لبنانيتين و بريطانية و أربع سعوديات متميزات و الخامسة في الطريق بإذن الله 🙂 و البقاء للأفضل (فقط)!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*