رسالة إلى ابني معن في عيده الأول

IMG_0478

صباحُ الخير يا بيبي..صباح النور يا ماما!

هكذا نبدأ صباحاتنا سوياً منذ بضعة أشهر..منذ أن بدأت تستيقظ وتجلس أو تقف على سريرك رافعاً يديك منتظراً أن أحملك إلى حيث الدفء والأمان..

هل أخبرتك بأنك أجمل ما في الصباح؟ بل أنت الصباح نفسه في عيني أمك؟

أكتب لك رسالتي هذه وأنت قد بلغت عامك الأول من عمرك المديد إن شاء الله..

دعني أحكي لك الحكاية ..حكاية حبنا منذ البداية..

البداية كانت من خطين أزرقين..حملا معهما البشارة الكبرى!

من صورة لدائرة صغيرة تتربع في بيت صغير بداخلي..

من دقات قلب تجلى فيها الإعجاز الإلهي..

من صورة بالأبيض والأسود تُظهر معالم رأسٍ صغير ويدين وساقين..

من ركلات تشبه الدغدغات..تضحكني وتوقظني..وتتعبني أحياناً..

كانت تلك ذكريات تعارفنا الأول..كل منا يحاول أن يقدم نفسه للآخر..كنا مرتبكين ..كلانا

حاولت أن أهتم بنفسي لأجلك..جربتُ حتى أن أغني لك..وربما – أقول ربما- قمت ببعض الحركات التي تشبه الرقص!

اشتريت لك كل ما ظننت أنك ستحتاجه مع الكثير مما لا تحتاجه..

لأنني أردتُ أن يكون عندك كل شيء..

ولأنني كنتُ سعيدة..

وكنت في حالة حب..

وفي حالات الحب..نفقد عقولنا ونتبع جنوننا..فنفعل أشياء عجيبة..

كل ذلك كان قبل أن نلتقي..

لكن بعد أن التقينا..بدأت حكايتنا الأجمل..

وضعوك على صدري قبل أن يقص حبلٌ ربطنا 9 أشهر معاً..فكان لك الغذاء..وكان لي نبع العطاء..

نظرت إليك..لم تكن تبكي..كنت تنظر لي باستغراب..باستعطاف..بحب..لا أعرف صدقاً كيف أصف تلك النظرة سوى برصف هذه الكلمات..لعلها تنجح في توصيل المعنى..أو بعضاً منه..

ثم..أرضعتك..ضممتك..وقبلتك..

وعرفتُ آنذاك بأنني استسلمت لحبك..

عرفت بأنه صار لي قلبٌ يعيش خارج جسدي..

أنت يا صغيري أدهشت أمك كما لم تندهش من قبل!

كانت تحسب نفسها ذكية جداً..فلقد ” قرأت” الكثير والكثير عن الأمومة المرتقبة..

ظنت نفسها مستعدة..

ظنت أنها تعرف جل ما تحتاج أن تعرفه..

بل اعتقدت – بسذاجة مفرطة- بأنها حتى تستطيع أن تتوقع شكل هذا الحب..

لكنها أدركت لاحقاً بأنه لا شيء يمكن أن يجهزها لهذا الأمر..لا شيء!

كان عليها أن تعيش هذه اللحظات لتدرك كل شيء فيها..مرارتها..وألمها..وروعتها..وصدقها..

حين يرانا الناس معاً منذ أن ولدت وحتى تكبر..سيعتقدون أنني أنا المعلمة والمربية لك..

لكن في الواقع فأنت أيضاً معلم لي..

أنت علمتني المعنى الحقيقي للحب..للعطاء..

فالحب ليس احتكار من نحب..

بل هو تقديم راحة المحبوب على راحتنا..

سعادته على سعادتنا..

احتياجاته على احتياجاتنا..

فكأنما أبصرتُ النور بعدك بعين جديدة..

لماذا كنتُ أصر على إرضاعك طبيعياً رغم التعب..رغم الألم ..رغم كل المعوقات التي لم تكن في صالحنا؟

لماذا كنتُ أصر على ذلك رغم أنك أنت نفسك لم تكن تريد ذلك أحياناً؟

لأن اللحظة التي شعرتُ فيها بالغذاء يتسرب من صدري إلى فمك الصغير لأول مرة..أدركتُ روعة الأمومة..ألم مع فرح..أيجتمع الضدان؟!

عندما فصلوك عني..عرفتُ بأننا كنا شيئاً واحداً حتى هذه اللحظة..لكن الآن انتهى ذلك وبقيت هذا الرابط الأخير الذي يجمعنا معاً..

لذلك بكيت حينما استيقظت ذات يوم قبل أن تتم شهرك السادس بقليل ورفضت صدري بعناد رغم كل محاولاتي..

بكيت رغم أن ذلك يعني بأني سأستعيد جسدي ووقتي حياتي وملابسي العادية..أمورٌ كثيرة عطلتها الرضاعة أو “كركبتها” قليلاً..

لأنني كنت أعرف بأنك تحل الرباط المادي الملموس ..الأخير بيننا..

لم أكن جاهزة بعد لهذا الوداع..

لكنني كنت أدرك بأنها الدمعة الأولى فقط..وستلحقها أخواتها..حتى لو كانت دموع فرح..

حين أخرجت ملابسك الصغيرة لأعطيها لمن سيحتاجها الآن أكثر منك..قاومت دمعة صغيرة بإبتسامة خجولة..

يالله..كم كنت صغيراً..

كم كنت تبدو جميلاً في هذه البيجامة..

وأنيقاً في هذه البدلة..

أهذا حذاؤك؟ هل كانت قدمك حقاً بهذا الحجم؟

هنا “كوفلتك”..لكن لم تعد تحتاجها..

لم تعد رضيعي الصغيري..

هأنت تتحول – ماشاء الله- رويداً رويداً..إلى فطيم..

ثم إلى ستصير طفلاً بإذن الله..

ومن بعدها مراهقاً..فشاباً..فرجلاً!

تحول يتم بأسرع مما أشتهي..كأم..

بالأمس فقط كنتُ أضعك على سريري وأعرف بأنني لو غبت ساعة سأعود وأجدك مكانك..فأنت أضعف وأصغر حتى من أن تميل إلى جنب دون آخر..

وقبل بضعة أسابيع فقط..غفلت عنك لدقيقتين..دقيقتان فقط..فسمعت صوت ارتطام أسفل الدرج!

ركضتُ إليك فوجدتك في أحضان جدتك..كنت تبكي بشدة وكان قلبي مخلوعاً..ثم رأيت النتوء الصغير فوق أذنك..فبكيت..وطلبت أن تسامحني!

ألم أقل أنك غيرت أمك؟

هي لم تكن من ذلك النوع العاطفي سريع البكاء..

لكنها معك ستبكي فرحاً وحزناً..

فرحاً لأنك تكبر..

حزناً..لأنك لا تصغر..

تدرك بأنها ستتألم كلما قل اعتمادك عليها..وابتعادك عنها..

لأنك سترحل عن بيتها ذات يوم..

ولا حل لذلك البعد..لا حل!

فهي تريدك أن تبتعد..لتتعلم..لتشاهد الدنيا..لتصنع حياتك الخاصة..

كل الطيور لا بد يوماً أن تفارق أعشاشها..

لكن هل يمكن أن يرحمها الدهر فلا يكر سريعاً؟

أمك تحولت إلى مؤرخة..مهمتها توثيق أحداثك الهامة..

ضحكتك..

ظهور سنتك الأولى..

انقلابك من جهة لأخرى..

جلوسك..

حبوك..

وقوفك..

خطوتك الأولى..

تلتقط صوراً لتلويحتك الأولى..لتصفيقك البدائي..وثرثرتك المبهمة..

أمك يا صغيري تعتقد بأنك أجمل طفل في العالم..حتى لو كنت لازلت أصلعاً ولك رأسٌ عجيبة!

وقرة عينها أن ترى فرحتك..أن تشاهد انعكاس ضحكتها على محياك..

لقد ورثت الكثير من شكل أبيك..لكن تحمل روح أمك وابتسامتها الكبيرة ..

وهي تدرك بأنها ستراك دوماً وسيماً..حتى حين تكبر وينبت الشعر ليس فقط على رأسك..وإنما في وجهك أيضاً..

أنت طفلها..لن يغير ذلك شيء!

وأعرف أن زوجتك لن يعجبها كلامي..لذا سأحاول أن لا أقوله لها..لكنه سيظل سرنا..نمرره عبر العيون!

أتساءل أحيانا وأنا أقلب النظر – دون أشبع-في وجهك الجميل..

أي رجل ستكون يا صغير؟

هل ستقع يوماً في حب فتاة لطيفة؟

هل ستخبرني أم ستخفي سرك “الخطير” مني؟

هل ستحبك هي أيضاً وتكتبا معاً قصة سعيدة؟

أم ستكسر قلبك..وتتركه لي ألملم شظاياه الحزينة؟

وحين تصبح زوجاً..هل ستختار واحدة تشبهني أم تغايرني؟

كيف ستكون مع زوجتك؟

طيباً..هيناً..ليناً..مرفوعٌ ذكره في السماء والأرض..فتسعدها وترضيها؟

أم عكس ذلك فتشقيها؟

وكيف ستكون هي معك؟ هل ستكون كريمة ودودة أم خبيثة حقودة؟

أي أبٍ أنت؟

قريباً من صغارك تلاعبهم ويلاعبونك أم بعيداً بارداً بالكاد يستشعرون وجودك؟

آه يا ابني..رحلة طويلة هي الأمومة..

ومهمة جسيمة هي التربية..

تربيتك لتكون الرجل الذي أهوى..

مهذباً في أخلاقه..

حنوناً على أهله..

ناجحاً في مجتمعه..

وكنت أحسب أن قلقي سينتهي حينما تدخل المدرسة..أو تتخرج من الجامعة..

لكن من الواضح أنني مخطئة من جديد..

صغيري الجميل..

سامحني إن كنتُ أطلتُ عليك..

فحبي لك لا تسعه صفحات..ولا تكفيه كلمات..

كتبتُ لك رسالتي لأنني أردت أن أعبر لك عن مشاعري كما هي اليوم..حتى لو كنت ستقرأها بعد سنوات طويلة..

أردتُ أن أخبرك بأنني استمتعتُ كثيراً بصحبتك خلال عام..رغم كل شيء..

وأردتُ أيضاً أن أعتذر عن بعض ما بدر مني..

أنا آسفة لأنني لم أكن أفهمك في البداية فلا أميز بين جوعك وتعبك ومغص بطنك..

كنت تبكي بحرقة لأنني لا أفهمك..وكنت أنا هناك حائرة أتمنى لو أعرف كيف أفك شفرتك..

أنا آسفة لأنني خلال هذا العام..تحت تأثير بكائك المتواصل لساعات..ومع التعب والضغوطات والإرهاق..صرخت عليك بضع مرات..

لم أكن أقصد الإساءة..سامحني..

سامحني لأنني اضطررت أن أعود لعملي وأتركك بضع ساعات لبعض الأيام وأنت دون الثلاثة أشهر..

لأنني بت ليلة واحدة بعيدة عنك..

لأنني لا ألعب معك بالقدر الذي تريده..

لأنني لا أستطيع أن أحملك طوال الوقت..

لأنني أهرب أحياناً منك لسويعات..لكنني أفعل ذلك حتى أعود إليك بابتسامتي التي تحب..

وفي نهاية رسالتي..أوصيك بني أن تكون

لربك ذاكراً..

ولكعبته سادناً..

ولمسجد نبيه خادماً..

ولأبويك باراً..

ولزوجتك صالحاً..

ولأطفالك حنوناً..

ولوطنك حامياً..

ولأمتك قائداً..

وللناس – كل الناس-نافعاً..

حفظك الله لنا..

وكل عام وأنت بخير..

عيدك سعيد..يا معوني

qrCode

4 Comments

  1. لطالما قلت بأن لمشاعر الأمومة طابع خاص، لا يمكن لأحد التنبؤ بها قبل أن يجربها فعلا. الأمر الذي قد يغير من نظرتك لنفسك وطبيعتها، ويصدمك بحقيقة عاطفتك!
    هل كان ذلك صحيحا؟

    شكرا لك يا مرام، استمتعت كثيرا للحد الذي جعلني أكرر قراءتها
    حفظ الله لك صغيرك، وبلغك فيه ما يسرك ويقر به عينك.

    (في صفحتي الشخصية -التي لم أنشرها حتى الآن- بعض الخواطر القصيرة المتعلقة بصغيري، سأكون محظوظة جدا لو كنت أول المارين عليها).

    مودتي.

  2. عذرًا .. نسيت أن أعلق بهذا الاقتباس الذي قد تجدين فيه تمجيدًا لك 🙂

    “الأمومة والكتابة: فعلان يكرّسان وجود المرأة الحميمي في هذا العالم”.

    هنيئًا لك بهما.

  3. عزيزتي بشرى..

    شكراً لمرورك..للقراءة وللتعليق الرائع أيضاً.

    حفظ الله لك صغارك..

    تسرني قراءة خواطرك..ضعي الربابط من فضلك أو ابعثيها على إيميلي:
    maram.meccawy AT gmail

  4. om jumana w mariya w fwaz says:

    كلاماتك لامست اوتار قلوبنا وعبرت بصدق و بدقه عن مشاعر الامومه وكأنك تتحدثين عن كل امرأه عل هذا الكوكب اغرورقت عيناي بالدموع صاحبت الم او فرح او ذكريات لا اعلم لا اريد ان اطيل عليك لكن اسال الله ان يجزي والداتنا جميعا خير الجزاء على ما صبرو وقامو وسهرو لاجلنا ووفقك وزادك من فضله وعلمه .. اعلم ان كلماتي ليست مرتبه ومنمقه ولكن صدق كلامك جعلني اكتب لك بلا توقف ……

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*