عن زواج الكبيرة هذه المرة

قبل بضعة أسابيع تصدرت قضية زواج الصغيرات صدور صفحات صحفنا المحلية بل والعربية أيضاً، في محاولة لتجريم هذه الأفعال التي تنتهي غالباً بأحداث مأسوية ليس على الطفلة بل وعلى المجتمع مستقبلاً. وتعريف الفتاة الصغيرة والكبيرة مختلف فيه، فهناك من يرى أن ابنة السادسة عشرة ليست صغيرة، وآخرون يعتقدون أن ابنة الثالثة والعشرين هي عانس بامتياز! وحتى نتجاوز هذه الإشكالية فسأعتبر بأن العروس الصغيرة هي تلك التي يقل عمرها عن ثمانية عشرة عاماً، وبالتالي فمن زاد عمرها عن ذلك فهي كبيرة (راشدة).
ومع أهمية طرح موضوع زواج الصغيرات، وضرورة إيجاد حل جذري وحضاري وديني له، فإنه لا يزال محدوداً مقارنة بالزواجات الأخرى التي تعاني مشكلات عديدة، وتستحق أن تُولى اهتماماً إعلامياً مركزاً. فالأسرة هي عماد المجتمع، وحين تكون لدينا أنصاف وأشباه أسر، وجيل كامل من الأبناء الذين لم يعرفوا ماذا يعني أن تعيش في بيت واحد مع كلا الوالدين، فعلى تماسك هذا المجتمع ووحدته السلام.
من المعروف أنك إذا أردت أن تعرف أسرار بيت ما فعليك الحديث مع خدمه، وإذا أردت أن تعرف أسرار مجتمع ما وتفاصيله الصغيره فعليك أن تتحدث مع الحلاقين والمزينين، خاصة أن العاملين في هذه المهنة (عبر القارات!) لديهم قدرات استجوابية مذهلة، فكيف تتهرب من سؤال أحدهم وأنت مرتهن لإرادته ورأسك بين يديه؟!
قبل أسابيع كنت في جدة، وأمضيت وقتاً غير قصير في أحد أشهر صالوناتها النسائية الكائن في أرقى أحيائها، وبالتالي فزائراته ينتمين غالباً إلى الطبقة الوسطى العليا والطبقة المخملية، وأنا أسجل هذه التفصيلات هنا حتى أوضح أننا لا نتحدث هنا عن طبقة الفقراء والأميين أو أبناء القرى المنسية.
البداية كانت مع الفلبينية (سيسيل) التي تعمل في السعودية منذ أكثر من عشر سنوات، وقد بدأت ثرثرتها معي قائلة إن جل العرائس التي تقوم بتجهيزهن دون العشرين، وهنا أحسست بأن قرون استشعاري الصحفية قد استثيرت حتى كدت أنسى الهدف الأساسي من زيارتي، فطلبت منها أن تخبرني بالمزيد. فأخذت السيدة تسترسل في الحديث عن قصص محزنة لعرائس في عمر الزهور لا يجدن في يوم عرسهن من يفتحن له قلوبهن غير هذه المرأة الغريبة عنهن ثقافة وديناً ولساناً. تبكي العروس الأولى بينما صاحبتنا تقلم لها أظافرها: (سيسيل لا أريد الزواج.. لا أحبه أبداً ولكن أهلي مصرون عليه! أتمنى لو أستطيع الهروب هذا اليوم!) وتبوح الثانية: (سيسيل عمري ثمانية عشرة سنة فقط.. أخبريني لماذا يجب أن أكون زوجة ثانية لرجل في عمر أبي؟!). وتؤكد سيسيل بأن أعداد هؤلاء ليست بالقليلة، ولهذا فهي تندهش بصدق إذا ما شعرت بأن العروس منشرحة وسعيدة ولا تخجل من التصريح بأن الاختيار كان بيدها بشكل حقيقي.
المرة الثانية كانت مع التركية (سراب) والتي أخبرتني بأن أحد الأمور التي تقلقها بشأن المجتمع السعودي الذي تعيش فيه منذ سبع سنوات هو نسبة الطلاق العالية والسريعة: (من المحزن جداً أن أجهز عروساً جميلة وأراها أمامي وردة يانعة.. ثم تعود لي بعد شهرين فقط دون خاتم زواج! ولكن هذا يحصل كثيراً.. طلاق في السنة الأولى وبهذه الكثرة.. لماذا؟). ولأن هذه السيدة طيبة جداً وفي لهجتها العربية الجميلة صدق وحزن الأمهات فقد سكنتني الكآبة بعد سماعي لحديثها حتى إنني لم أطلب منها المزيد. ولكنني لم أكن بحاجة لذلك أصلاً فالمغربية (خديجة) ستردد كلمة “الطلاق” للمرة الثالثة في الصالون نفسه، فالمرأة التي أمضت خمس عشرة سنة في جدة كانت حزينة أيضاً على الزواجات السريعة والطلاقات الأسرع التي أصبحت موضة هذه الأيام.
وكان السؤال الأول الذي طرحته المُزينة اليمنية على العروس التي تستعد لعقد قرانها (زواجك عادي ولا مسيار؟)، وهذا السؤال الصدمة جعلني لا أتردد في سؤالها عما إذا كان هذا الزواج الأخير (المسيار) منتشراً إلى الدرجة أنه من الطبيعي جداً أن يسأل أحدهم عنه؟ فكان جوابها أجل!
ما خرجت به من زياراتي المكوكية هذه للصالون هي أن مشكلاتنا الاجتماعية أكثر تعقيداً مما نتصور، وأن مشكلات المرأة في بلادنا هي أيضاً أكثر عمقاً وإلحاحاً ولم نصل بعد إلى لبّها. وكم نخادع أنفسنا حين نطير فرحاً بإنجاز فردي لامرأة محظوظة اجتماعياً ونأخذه دليلاً على تحقيق تقدم ملموس في هذه القضية الجوهرية، والتي هي ليست قضية حقوق “المرأة” فقط التي يعاني البعض من حساسية مفرطة منها، وإنما قضية حقوق “المجتمع” في أن يعيش آمناً ومستقراً وسعيداً.
من السهل جداً أن نشير بأصابع الاتهام في هذه القضية إلى الرجل، ومن الأسهل أن نحمل المرأة المسؤولية أيضاً لأنها لا ترضى بنصيبها وتصبر وتحتسب، أو لأنها خانعة مستسلمة لخيارات الآخرين. وهذه هي الطروحات التي استخدمناها خلال العقود الفائتة. والحقيقة هي أن المسؤولية مشتركة بين الجميع فالأم هي التي تربي الرجل وهي أيضاً مسؤولة عن غرس الأفكار الهدامة في رأسه، بل هي التي تقوم إلى حد كبير بحراسة العادات البالية.
هناك بالفعل تحديات كثيرة تواجه بلادنا ولكن أهمها على الإطلاق هو تحدي الحفاظ على الأسرة متماسكة فهي التي ستخرج لنا الإنسان السوي الذي يبني ويحمي وطنه، وهذا الإنسان لن يرى النور ما دامت هناك عروس جميلة تبكي بحرقة ظلم ذوي القربى وهي تستعد ليوم يفترض أنه من أجمل أيام حياتها.

qrCode

5 Comments

  1. هذا الإنسان لن يرى النور ما دامت هناك عروس جميلة تبكي بحرقة ظلم ذوي القربى وهي تستعد ليوم يفترض أنه من أجمل أيام حياتها.
    ،،
    بالحرف، معك!
    ولا حين تمر أول أيامها باغتصاب..
    .
    في المرة الماضية قلت هنا شيئًا عن ابنة أختي المتزوجة وهي تحت الثامنة عشرة وسعيدة بزواجها..
    هذه المرة سأخبر عن أخرى تزوجت فوق العشرين، ورغم أنها كانت تحبه وتريده، إلا أنها مطلقة بعد سنتين من اغتصاب مستمر واعتراف صريح بأنه لا يحبها، ولم يتزوجها إلا لأن جسدها بشكل ما يروق له!
    ومع ذلك كانت تحاول لآخر رمق أن تسعده!
    ثم إنها لليوم تعاني من الأمر وترفض الزواج.. بعد…

    ..

    المسألة أكبر من عمر، أكبر من تفاصيل صغيرة هنا وهناك، المسألة “مودة ورحمة” مفقودين في المفهوم العام للزواج واختصار له في الجسد والجسد فقط…

    لو أنهم يفهمون أن المسألة مسألة قلوب لأدركوا أن الكلمة الأولى والأخيرة في الزواج للمرأة… وليس لأحد من أهلها مطلقًا!
    ولو أنهم يفهمون أن المسألة مسألة قلوب لأدركوا أن الصغيرة جدًا لا تصلح لذكر كبير يغتصبها من أول يوم، بلا تذكّر لكون الرسول عليه الصلاة والسلام حين تزوج عائشة لم يدخل بها حتى بلغت وصارت جسدًا وقلبًا تصلح لذلك الأمر..

  2. مشكلات المرأة في بلادنا هي أيضاً أكثر عمقاً وإلحاحاً ولم نصل بعد إلى لبّها.
    ……
    مشكلة المرأة في كل العالم يا مرام وليس في بلادنا فقط…
    مشكلة المرأة ليست هنا أو هناك فقط، مشكلة المرأة أزلية، ومشكلتها أن الجنس البشري كله يراها “مشكلة”!
    ولا غريب في الأمر، حين أنزل الله آدم وحواء من الجنّة للأرض قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى…..

    .

  3. جميل هذا المقال، ولو أنني عندما قرأت كلمة “كبيرة” في العنوان، طرأ على بالي أنك تقصدين الفتاة التي وصلت الى سن ال 25 وهي لم تخطب او تتزوج بعد، حتى صارت وصمة “كبيرة” ختما يبيح للاخرين التعامل معها كبضاعة انتهت صلاحيتها، فيفترض أن تباع بنصف السعر وترضى بأي حاجة “يدردبها” المشفقون عليها..

    ليتك تتطرقين الى هذا الموضوع في مقالة قادمة ان شاء الله.. وسلمت يداك!

  4. “وآخرون يعتقدون أن ابنة الثالثة والعشرين هي عانس بامتياز!

    محزن جدا أن يكون عمري 22 واتلقى تعليقات او تلميحات العنوسة!

    والمحزن أكثر عندما يكون طموح الفتاة الأكبر هو الزواج ويسيطر على تفكيرها وجميع افعالها للوصول إليه, ولك أن تتخيلي الفشل الكبير الذي تحس فيه بعد طلاقها بعمر صغير وهي فرطت بدراستها والآن لا تجيد اي مهنة تشغل بها وقتها
    أملي كبير أن يقلل عددهن مع الأجيال وسلمت يداك :)

  5. أعجبني في الطرح أنه تناول فتيات الفئة المخملية , إذ يظن الكثير أن فتيات هذه الفئة بعيدات عن ظلم العادات والتقاليد ..
    لكننا لا يمكن أن ننكر انه حتى بعد ان استبدل البعض القهوة العربية بالكابتشينو , الا أن بعض الموروثات عصية الاستبدال ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>