الإنفاق الحكومي على التعليم باق..ويجب أن يتمدد

GOV_eduبعد أقل من خمس سنوات ستتغير أكثر من ثلث المهارات العملية التي يعتبر توفرها في القوى العاملة اليوم أمرا ضروريا. ويشكل ذلك -ولا شك- تحديا لقطاعات واسعة من المجتمعات الإنسانية، وعلى رأسها قطاعا التعليم والتدريب. فلم يعد مطلوبا منهما -كما في السابق- مجرد مواكبة سوق العمل والتطورات الحديثة، وإنما عليهما التنبؤ بهذه التغييرات سلفا واستباقها من خلال برامج فعالة ومرنة، إذ من المتوقع أنه بحلول عام 2020، فإن الثورة الصناعية الرابعة ستكون قد قدمت لنا كثيرا من الفتوحات العلمية التي ستغدو جزءا من حياتنا العادية، وعلى رأسها الروبوتات المتقدمة، والنقل الذاتي، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، وعلم الجينوم. هذه التطورات ستحدث تحولا كبيرا في الطريقة التي نعيش ونعمل بها. فكيف سيكون تأثيرها المباشر علينا؟
يقول المراقبون بأن بعض الوظائف سوف تختفي وأخرى ستنمو، لكن من المؤكد أن القوى العاملة في المستقبل القريب سوف تحتاج إلى تحسين وتطوير سريع في علومها ومعارفها ومهاراتها ونظرتها لدورها الوظيفي، لتكون قادرة على مواكبة هذه التغييرات السريعة، ولتظل عاملا فاعلا في هذا الفصل الجديد من تقدم البشرية.
في تقرير منتدى دافوس الاقتصادي بشأن مستقبل الوظائف والقوى العاملة طلب من رؤساء الموارد البشرية ومسؤولي الإستراتيجية من كبار أرباب العمل في الشركات العالمية ملاحظة التحولات الراهنة بدقة، لتحديد ما هي المهارات المطلوبة في قطاعاتهم خلال الفترة المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل قطاع والنطاقات الجغرافية التي يتحرك فيها. وتم الخروج بأهم عشر مهارات مطلوبة سيتم البحث عنها في الموظفين ابتداء من عام 2016 وحتى 2020 وهي: 1- القدرة على حل المشكلات المعقدة، 2- التفكير النقدي، 3- الإبداع، 4- القدرة على إدارة الأشخاص باقتدار، 5- القدرة على التنسيق مع الآخرين، 6- الذكاء العاطفي، 7- البصيرة والقدرة على اتخاذ القرار، 8- تفكير يركز على ثقافة الخدمات (Services)، 9- مهارات التفاوض، وأخيرا 10- المرونة الإدراكية، ويقصد بها قدرة الإنسان على تكييف قدراته بشكل إستراتيجي للتغلب على مشكلات جديدة أو غير متوقعة في بيئته.
ولا يحتاج المرء إلى كثير من الوعي والمعرفة ليدرك أن معظم الخريجين والدارسين حاليا في الجامعات يفتقرون للكثير من هذه المهارات إن لم يكن كلها، لا سيما في منطقتنا العربية وبيئتنا المحلية.
يعتقد الخبراء بأن مهارة الإبداع والتفكير هي من أكثر المهارات التي طالها التغيير والتي باتت تستحوذ على اهتمام مديري الموارد البشرية. فمهارة الإبداع هي واحدة من أهم المهارات التي أصبح سوق العمل بحاجة إليها، لا سيما مع هذا الكم الهائل من المنتجات الجديدة والتكنولوجيات الحديثة، والطرق غير التقليدية للعمل. وبالتالي يصبح مطلوبا من العاملين في هذه القطاعات أن يصبحوا أكثر إبداعا للاستفادة من هذه التغييرات، وتوظيفها بما فيه فائدة أعمالهم ومنحها ميزات تنافسية. فالروبوتات قد تساعدنا مثلا على الوصول إلى حيث نريد أن نكون في وقت أسرع، لكنها لا يمكن أن تكون -حتى الآن على الأقل- ذات تفكير خلاق مثل البشر.
ومع أن مهارة المرونة والتفاوض لا زالت ضمن القائمة، إلا أنها تراجعت شيئا فشيئا وباتت في مركز متأخر، وقد تخرج قريبا، حيث إن تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومعها البيانات الضخمة (big data) والتحليلات التي تنتج منها بواسطة المعادلات الحسابية والبيانات الإحصائية، سيتم توظيفها بحيث ستكون مسؤولة بشكل شبه كامل عن اتخاذ القرارات من خلال أنظمة دعم القرار (Decision Support Systems)، بل يتوقع أنه بحلول 2026 ستكون هذه الأنظمة والآلات جزءا من مجالس إدارة الشركات.
التغيير لن يكون واحدا في كافة القطاعات، بل سيكون مختلفا في شكله وفي سرعته من قطاع لآخر. ويلاحظ أن قطاعات الترفيه والإعلام قد سبقت غيرها وشهدت بالفعل تغييرات كثيرة في السنوات الخمس الأخيرة (2011-2016). في حين أن قطاعي البنوك والاستثمار لم يشهدا بعد التحولات الجذرية المتوقعة. أما العاملون في قطاعات التصنيع والتسويق فعليهم أن يستعدوا لثورات تقنية هائلة تستلزم أن يطورا مهاراتهم الحاسوبية ومهاراتهم التقنية سريعا.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يؤثر علينا ذلك كله هنا في المملكة بشكل خاص؟
نحن نعاني سلفا -كما يزعم أرباب الوظائف- مشكلة عدم مواكبة مخرجات التعليم العام والعالي لاحتياجات سوق العمل، لا سيما في القطاعات الوطنية الحيوية مثل التقنية. ولذلك لدينا ظاهرة عجيبة تتمثل في بطالة الخريجين في نفس القطاعات التي نعاني فيها نقصا يستوجب أن نستجلب له المتخصصين من الخارج، وتحديدا من العالم الغربي، وندفع لهم الرواتب الفلكية والبدلات الأسطورية والامتيازات الذهبية مقابل ذلك، فكيف سيكون الوضع مع التغييرات الجديدة؟
مثلا من أهم التخصصات المطلوبة حاليا والتي سيزداد الطلب عليها بشكل جذري خلال السنوات الخمس المقبلة علم البيانات (Data Science) الذي يضم تخصصات الحاسبات والإحصاء والرياضيات بشكل أساسي، فهل في جامعات المملكة كلها، الحكومية منها أو الخاصة، برنامج واحد، سواء لمرحلة البكالوريوس أو الدراسات العليا، يدرس هذا التخصص؟.. أظن بأننا سنكون محظوظين لو أن بضع جامعات قدمت منهجا دراسيا واحدا عنه.
التغيير لن ينتظر أحدا منا! والثورات السابقة الزراعية والصناعية والرقمية لم تنتظرنا، وهذه الثورة الجديدة لن تحيد عن مسار أخواتها. ولذلك فإنه على قادة الأعمال والحكومات والمؤسسات التعليمية في العالم أن تكون سباقة في اقتناص الفرص، عبر تحديث برامجها العلمية والتدريبية للطلبة والموظفين، من أجل رفع مهارات الشباب وإعادة تأهيل الناس لعالم جديد. وبالتالي يتمكن المواطنون كما الدول ليس فقط باللحاق بالركب، وإنما الاستفادة المثلى من الثورة الجديدة.
وعلى صعيد محلي، يصعب تحقيق رؤية 2030 إذا لم يتم تطوير برامج المدارس والجامعات، وبالتالي فإن تقليص الإنفاق الحكومي في هذا القطاع بالذات يمكن أن يأتي بنتائج عكسية. فبدلا من تحقيق الرؤية يكون هذا الإجراء أكبر عائق في طريقها. فكل الاستثمارات معرضة للربح والخسارة إلا الاستثمار في العلم والمعرفة.. أي الاستثمار في عقل الإنسان.

المقال منشوراً في صحيفة الوطن

qrCode

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*