مدونات..ومدونين!
كنت قد تحدثت في أكثر من مقال سابق عن الثورة الجديدة في عالم الإنترنت، وظهور ما يسمى بالجيل الثاني من الويب. وأوضحت يومهاً بأن من ميزات الجيل الجديد هو أنه الاهتمام قد انتقل من التركيز على الجانب التقني، أو الجانب المعرفي المعمتد على انتقال المعلومة من طرف واحد، إلى بيئة تفاعلية خلاقة، تكون القيمة الأهم فيها هي المشاركة والتواصل وتبادل الخبرات والآراء، بحيث يصبح الرأي البشري والتواصل الإنساني، هما الأكثر أهمية في العالم الرقمي. وأصبحت التطبيقات المختلفة تبنى لتمكن الناس من أن يتواصلوا ويتفاعلوا بأقصى حد ممكن، وتصمم وهي تضع في الحسبان التبشير بقيم العدالة، وحرية الرأي، والمساواة، والديمقراطية.
تصلح المدونات كأفضل مثال على توضيح الفرق بي الجيلين الأول والثاني من الشبكة العنكبوتية العالمية والتي تعرف اختصاراً بالويب. ففي الجيل الأول كان لي مثلاً موقع شخصي، بنيته من الصفر، ووضعت فيه مقالاتي السابقة وكتابات أخرى. وكانت الطريقة الوحيدة للزوار لإبداء رأيهم في موقعي، أو في محتواه، إما عن طريق بضع سطور يخطونها في دفتر الزوار، أو بإرسال رسالة إلكترونية إلى بريدي الشخصي. بينما حالياً أنا أمتلك مدونة عمرها عامان، لم يكلفني إنشاؤها أكثر من التسجيل في شبكة، بنفس الطريقة التي نشترك بها في بريد الهوتميل مثلاً، مع فارق جوهري وهو أن الزوار باستطاعتهم ليس فقط ان يقرأوا كلماتي، بل وأن يحاوروني فيها، وأستطيع الرد عليهم، أو يستطيعون هم التحاور فيما بينهم، وهكذا فإن حكاية أخرى قد بدأت لم تكن ممكنة في السابق. وككاتبة فقد عنت لي هذه المداخلات الكثير، فقد مكنتني من أن أتفاعل مع جمهور عريض، من الداخل والخارج، بطريقة جماعية ومعلنة، مختلفة عن ما يتحقق عن طريق الرد على البريد الإلكتروني. وبالمقابل فقد كانت هناك بعض الإزعاجات، التي اضطر حين أقرأها لإزالة تلك الردود، وهذه ضريبة الحرية على كل حال.
عودة للمدونات بشكل عام، هذه الخصائص الفريدة في تبادل الأفكار، وإمكانية وصل مدونات بأخرى، أدت إلى نشوء عالم جديد يتحرك فيه المدونون والمدونات برحابة وحرية، مكونين مجتمعاتهم الخاصة في كل بلد أو منطقة أو تخصص أو ما شابه. فالمدونات والإنترنت عموماً، مكنتا الأشخاص العاديين، الذين لا يحلمون بالكتابة في صحيفة أو مجلة أو دورية مطبوعة، لأي سبب كان، بأن يكون لديهم إعلامهم الخاص، الذين يتواصلون مع الناس من خلاله..وبالمجان. وأصبح لدينا كتّاب مشهورين، وهو لم ينشر له حرف واحد في أي مطبوعة ورقية! فهل هناك تنافس بين الكاتب الرقمي والكاتب الورقي إن صح التعبير؟ وهل هناك معركة خفية تدور بينهما؟
بالنسبة لي ككاتبة أولاً، وكمتخصصة في مجال تقنية المعلومات ثانياً، وكمدونة ثالثاً، فالجواب هو لا! لأنني أؤمن بأن الجيد جيدٌ وسيفرض نفسه على أي صيغة وفي أي مكان، والرديء رديء على أي صورة عرض. سأقرأ لغازي القصيبي وأحلام مستغانمي ودان براون، ولو لم ينشر لهم حرف واحدٌ على الإنترنت، في حين أن الكثير من كتاب الشبكة لا يستحقون أن أضيع ثانية واحدة في القراء لهم، والعكس صحيح.
نأتي للقضية التي أثارت هذا الإهتمام المفاجيء بالتدوين محلياً لتطرح سؤالاً هل التدوين مشكلة؟ وهل هناك خطر من أو على المدونيين؟
تناقل الكثيرون منذ بضعة أسابيع خبر إيقاف المدون فؤاد الفرحان الغامدي (32 عاماً)، الملقب بعميد المدونين، وحتى ساعة كتابة هذه السطور فإن كلاً من صحيفتي عرب نيوز ومن ثم جريدة الوطن، قد تناولتا هذا الخبر أيضاً. وحصل هناك بعض اللغط حول القضية، لعدم وضوحها أسباب الإيقاف أولاً، وهل هو بسبب مدونته؟ وأيضاً لعدم خبرة البعض منا في عالم الإنترنت، وعدم فهمهم لفكرة المدونات. التي كما ذكرت سابقاً قامت على أفكار أساسية متعلقة بحرية التعبير والتفكير، في مجتمعات ترسخ هذه القيم. والذي حصل هنا، وفي دول عربية أخرى مثل مصر من إيقاف لبعض المدونين، يطرح إشكالية استيراد المنتج التقني، والسرعة في التكيف معه ومع بقية مخترعات العصر الحديثة، في حين هناك بطء في استيعاب الجزء الفكري والثقافي المرتبط به. وكلنا يعرف مثلاً كيف أسيء استخدام الهاتف المحمول المزود بآلة تصوير وكيف صارت لدينا قضايا تنظر في المحاكم، لم تحصل نظيرتها في فنلندا، الدولة التي انتجت لنا جوال نوكيا (الباندا).
فالشباب السعوديين والشابات السعوديات، وهم الفئة المهيمنة على علم التدوين في السعودية اليوم، ومعظمهم أعمارهم تتراوح ما بين (18-35)، وخاصة ممن ليس لديهم تجربة في النشر، ولم يفهموا بعد الخطوط الحمراء والصفراء والرمادية، قد أخذوا يتصرفون أو بعضهم في مدوناتهم ويتحدثون بحرية كتلك التي يشاهدونها في المدونات الغربية، خاصة والكثير منهم ممن درس أو يدرس في الخارج. وإن ظلت الأغلبية الساحقة منهم، مترددة إلى حد ما، بحيث فضلت الاستمرار في استخدام الاسم المستعار، وخاصة النساء، وأكاد أكون المدونة الوحيدة ربما التي تكتب باسمها الثلاثي الصريح. ودائماً الاسم المستعار يعطيك حرية لا يعطيها الكتابة بالاسم الصريح، ولكن هذا الأخير، يحملك مسؤولية حتى أمام نفسك، ويجعلك أكثر احتراماً وإلتزاماً ومصداقية. والحقيقة أنا لا أعتقد بأنه يجدر بنا أن نخشى من أولئك الذين يتحركون تحت الشمس ويضعون أسمائهم وصورهم بجانب كلماتهم، ولا يمكن أبداً مقارنتهم بمن يتخفى في الجحور ويتسمى بأسد قندهار أو ضب الدهناء أو سحلية تهامة!
كنت قد زرت مدونة فؤاد قبل بضعة أسابيع من معرفتي باعتقاله، ويومها كان رأيي فيها بأنها مدونة جرئية أكثر مما كنت أتوقع بعض الشيء، ووجدت فيها آراء لا بأس بها، وأخرى أختلف معها بالكلية. وأيضاً لفتت نظري إحدى التدوينات التي يتحدث فيها فؤاد عن كونه حقق الكثير من أحلامه الشخصية، فهو خريج جامعة أمريكية، ويمتلك شركة خاصة متخصصة بتقديم الحلول الإلكترونية، ويملك سيارة فارهة، بيتاً وزوجة وطفلين جميلين، فماذا يريد أكثر؟ يقول فؤاد بأنه يريد أن يشعر بالراحة حين يضع رأسه على الوسادة، فلا يكفي أن تكون أنت مرتاحاً، وأنت تدرك أن هذا ليس حال الجميع. هذا الكلمات بقيت في ذهني، وكتبتها الآن من الذاكرة، جعلتني أدرك بأن هذا الرجل مختلف!
ففي بلادنا الحبيبة لدينا مئات الدرازن من شبابٍ يحسبون أن الله خلقهم ليتطوروا (حسب نظرية دارون) إلى قنابل بشرية، تحرق الأخضر واليابس معها وتنشر الفتن في كل مكان، أو ليكونوا أوصياء لله على الناس دون علم أو بصيرة، وفيها أيضاً مئات الحزم من الشباب الذي لا هم له سوى أن ينتهك حرمات الناس ، وينشر الفساد ويقلل الحياء في مجتمعنا، ولذلك فحين نرى شاباً ينشيء شركة معلوماتية، ويوظف أبناء وطنه، ويحلم بأن تنافس الشركات السعودية المتخصصة في هذا المجال الشركات العالمية، فإنه حتماً سيلفت إنتباهنا.
وحين لا تكون هناك تنظيمات إدراية وقانونية واضحة، تشرح لنا ما هي الأنظمة المعمول بها في المملكة والتي خالفها، وتحت أي بند تقع، فهل هي تدخل ضمن قوانين النشر والمطبوعات؟ إذ كانت كذلك فهل هي إذن مسؤولية وزارة الإعلام؟
لقد تسبب إيقاف الفرحان في نشر جو من القلق والخوف بين المدونات وأصحابها، وأصبح البعض يمحو تعليقات الزوار، وآخرون أغلقوا مدوناتهم حتى إشعار آخر، وهي أمورٌ ليست في مصلحة البلد على المدى الطويل، أعني أن يتحاور الشباب في الخفاء بدلاً من نشر أفكارهم في العلن، ناهيك عن السمعة السئية التي تلحق بالوطن خارجياً.
نعم من حق أي دولة أي تحافظ على أمنها، وأن توقف أي شخص يهدد سلامتها، ونحن جميعاً نضع ثقتنا _ بعد الله_ في الساهرين على أمن بلادنا وحدتها واستقرارها، وسنكون أول من يشد على يدها حين تعتقل مخرباً متعمداًمن أي نوع، سواء بالفعل أو القول أو التحريض، ولذلك فسؤالنا هو: هل فؤاد الفرحان بالفعل واحدٌ من هؤلاء؟
أرسل في: 16 January, 2008
مواضيع: تقنية, جريدة الوطن (الرأي).
ردود: 4
ردود
ردود من جسار
January 21, 2008, 6:47 am
للأسف فؤاد وغيره تعرضوا لخدعة ارتفاع سقف الحرية في التعبير عما بداخلهم وما يؤمنون به من فكر واراء فدفعهم حماسهم وحبهم للوطن ان يكتبوا فكانت جريمتهم الكتابة في زمن اصبح كتابة الحرف جريمة في عرف من لايعرف حرية الفكر .
كما اتعجب من كتاب شباب من جيل فؤاد كانوا اول من سن اقلامهم ضد فؤاد وجردوه من حقه بل كأنهم يتشمتون به لانه لم يكن كاتب محترف في التلاعب بصياغة الحروف والتلاعب بالكلمات كما يلعبون ، يدينونه انه كان طيب النية ويكتب بصدق النوايا وهي جريمة في عرف من يعتقدون انهم اصحاب كلمة وعجبي من هذا الزمن
ردود من الكويكبي
January 21, 2008, 6:47 am
يقول فؤاد بأنه يريد أن يشعر بالراحة حين يضع رأسه على الوسادة، فلا يكفي أن تكون أنت مرتاحاً، وأنت تدرك أن هذا ليس حال الجميع. هذا الكلمات بقيت في ذهني، وكتبتها الآن من الذاكرة، جعلتني أدرك بأن هذا الرجل مختلف.
اختي العزيزه مرام
قليل هم الرجال الذين يفكرون بهذه الطريقه…..فهذا معنى الرجولة
وقد تعجز الكلمات عن التعبير في وصفه…..
ردود من محمد الجرايحى
January 21, 2008, 6:48 am
الأخت الفاضلة: مرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أكيد ليس هناك شئ مطلق
وهناك حدود لابد من احترامها والتوقف عندها
وأعتقد أن الكثيرين من المدونين يعلمون ذلك
وهم رجال حملوا أمانة القلم ورسالة الكلمة
آملين فى مستقبل أفضل لشعوبهم والتى تعانى
الكثير من الظلم والكبت مما جعلها تتأخر عن ركب الحضارة
لأن التقدم والرقى للمجتمعات لايتفق مع العبودية
أسعدنى تواجدى فى مدونتك القيمة
وبين كلماتك وأفكارك الراقية
تقبلى تقديرى واحترامى
أخوك/ محمد الجرايحى
بينغ من مرام عبدالرحمن مكّاوي » حي الله..فؤاد!
April 26, 2008, 8:49 am
[...] كتبت عنه مرة في موضوع المدونات.. [...]



كتابة رد