ليكن (فرماناً) ضد التمييز

فبالرغم من أننا ندرك في أعماقنا بأن بلادنا والخليج العربي كله قد بنته سواعد العمال الآسيويين ولا تزال، أولئك الذين يعلمون تحت لهيب الشمس الحارقة لساعات طويلة، ويسكنون غالباً غرفاً مكتظة سيئة التهوية، وقد ينتظرون شهوراً قبل أن يُمنحوا رواتبهم، فإنه قد كان يظهر دائماً من بيننا من يقول بأنهم جاؤوا هنا بدافع الطمع..وأنهم لم يقدموا لنا شيئاً بالمجان..وهم مصدر كل الشرور التي حصلت وتحصل في مجتمعاتنا الملائكية..بل لم يخجل البعض علناً بأن يطالب بإخراجهم من بلاد الحرمين وكأنهم غزاة أو إرهابيين!
وأستطيع القول بأن الإعلام لاسيما المقروء قد ساهم في تعميم هذه الصورة السلبية، عن طريق التركيز على جرائمهم وأخطائهم بشكل مكثف. في حين أن الحديث عن إيجابياتهم، أو عن الخدمات العظيمة التي يقدمونها لبلادنا يكاد يكون معدوماً. ولذلك فحتى حين كان أحد هؤلاء العمال البسطاء هو الضحية لجشع أو استغلال أو إهانة مواطن و مؤسسة ما فإنه لم يكن صعباً على ضمائرنا أن تبرر هذه الجرائم، وتظهرها كاستثناء لا يستحق الضجة.
ثم يأتي سيل الأربعاء وتظهر معادن الناس، ويسجل البعض بطولاتهم بأحرف من ذهب، ويكتب آخرون أفعالهم في سجلات الخزي والعار. وسأتحدث اليوم في الفئة الأولى عن بطل جدة الكبير، وشهيدها – بإذن الله – الشهير..أتحدث اليوم عن شاب بوجه يشرق بالأنوار كما تظهره صورته ..عمرة اثنان وثلاثون سنة فقط..استطاع بفضل الله أن ينقذ أربعة عشرة إنساناً في ذلك اليوم العصيب قبل أن يجرفه السيل الغاضب حين نزل إلى الماء لينقذ الشخص رقم خمسة عشر! فارسنا كان اسمه فرمان علي خان..بطلٌ من باكستان..سيطرت عليه فكرة واحدة حين رأى الناس يستغيثون من حوله.. وهي ماذا يستطيع أن يفعل ليساعدهم؟ لم يقل إني غريب ولا شأن لي بهم، ولم يقف كما وقف بعض شبابنا يصور بالجولات الفاخرة الناس وهم ينازعون مع قدرتهم على المساعدة، بل إنه لم يبرر لنفسه بأنه يحق له أن يتردد – كما يفعل الكثير منا ليبرورا حيادهم – لأن ورائه ” كوم” لحم من النساء وأنه معيلهم الوحيد!
ففرمان جامعيٌ دفعته الحاجة ليسافر ويعمل في بقالة ليعيل أسرته الصغيرة، فله زوجة وثلاثة زهرات هن زبيدة (7 سنوات)، ومديحة (6 سنوات) وجريرة (4 سنوات)، وهو لم يتمكن من رؤيتهن لسنوات لدرجة أن صغيرته لا تتذكره. ولهذا السبب أصر أخوه على نقله إلى بلاده لتتمكن عائلته من إلقاء نظرة الوداع عليه بعد أن قضى غريقاً شهيداً في بلد بعيد وهو ينقذ أخوة الدين والإنسانية.
بالمقابل على الضفة الأخرى وبعد أيام من الكارثة، نقل لنا مقطع الفيديوعلى اليوتيوب لقطة تجعل جبين أي سعودي تقطر خجلاً، حين يقوم رجل أمن بإصدار أوامره لجموع المتطوعين من شباب جدة وهم يقومون بتوزيع المساعدات على المناطق المنكوبة قائلاً: ” سعودي أعطيه..أجنبي لا تعطية!”.
بل وتتضارب الأخبار أيضاً فيما يتعلق بإغاثة المنكوبين من قبل الدولة، فيشاع بأن التعويضات المليونية التي وعدوا بها خاصة بالسعوديين فقط، والأمر نفسه ينطبق على من يحق لهم الإنتقال إلى الشقق المفروشة البديلة، وحقيقة أنا لا أتصور أن تقوم بلادنا التي وصلت أياديها البيضاء إلى كل بقاع الأرض بذلك التمييز المخجل في عقر دارها، ولكن أذكر الخبر رغبة في أن يصدر نفي بشأنه يشفي غليلنا، فالسيل لم يفرق بين الناس فكيف نقوم نحن بذلك؟
وعودة لبطلنا العزيز فرمان، فإن أهالي جدة متفقون بأن هذا الرجل لا بد أن يخلد في ذاكرة المدينة، وهاهم يطالبون بشارع أو ميدان عام باسمه، وهم يطالبون أيضاً بالتكفل برعاية أسرته مادياً مدى الحياة، بل ويتجاوز البعض ذلك مطالبين بمنحه الجنسية السعودية، وبالتالي تستفيد منها زوجته وبناته، عرفاناً بجميله فهل هناك وطنية أكثر من أن تفدي وطنك وأهله بروحك؟
فالأبطال لا يجب أن يمروا مرور الكرام، وهم غالباً ما يولدون من رحم المصائب، وفي أمة تتخبط منذ قرن حتى أصبح أبطالها في ذاكرة الناشئة والشباب غالباً من أولئك الذين يسفكون الدماء، فإنه من المفيد أن تعرف الأجيال الصاعدة بأن البطولة تكون أيضاً من قبل أولئك الذين يمنحون الآخرين – بأمر الله- حياة جديدة.
فليكن أبطالنا من عينة رجل له قلب الأسد كفرمان خان، ولتكن هذه المناسبة الحزينة فرصة لنا لنعيد نظرتنا في الكيفية التي نتعامل بها مع العمالة الوافدة سواء على مستوى الأفراد في تعاملنا اليومي، أو على مستوى الدولة فيما يتعلق بحقوقهم وقوانين الكفالة وغيرها، ليكون تقديرنا لتضحية فرمان عن طريق إصدارنا
” فرماناً” ضد التمييز وضد النظرة الدونية..جعل الله مستودعك الفردوس يا فرمان.
- هناك أجزاء حذفتها الجريدة ..مقطعان من المقدمة..وأنا أتفق معها في ذلك وحذفتهما أيضاً فالمقال أفضل بدونهما
ولكن هناك جزئية وددت لو أنهم نشروها دحضاً للشائعات وبحثاً عن الحقيقية
ولكن للجريدة ظروفها أيضاً
أرسل في: 16 December, 2009
مواضيع: جريدة الوطن (الرأي).
ردود: 6
ردود
ردود من نجاة
December 16, 2009, 3:43 pm
شكرًا مرام.. شكرًا كثيرًا لأنك تعبرين عنّا يا جميلة..
أسعدك الله
ردود من نوفه
December 16, 2009, 6:50 pm
صدقتي و الله اتمنى حقيقة لو ينشر بريد اهله حتى نعمل حملة للتبرعات لهم
كل انسان بما يستطيع ان يمنحهم لو عشرة ريالات سيكون هذا له عميق الأثر
في نفوس اهله و يقضي على حاجتهم
غفر الله له و اسكنه فسيح جناته
ردود من رجاء
December 16, 2009, 9:18 pm
أنا مع إقتراح الأخت نوف
لن ننتظر المسئولين , لا بد لنا اهالي جدة أن نكرم فرمان الذي ضحى بحياته من اجل 15 نفس من اهالي جدة.
من هذا المنبر أنادي بتنظيم حملة اهلية لتكريم فرمان خان
لابد من خطوة للوصول لأهله و الباقي سهل
همتك عزيزتي مرام
ردود من خولة
December 17, 2009, 12:32 am
فعلآ لا يظهر معدن الشخص
إلآ بعد التجربه والمحنه ..!
فرمان
رحمه الله وموتى المسلمين آجمعين
مرام
تحية تليق بك
ردود من وفـــاء بنت عمر
December 17, 2009, 12:42 pm
المصائب حقا تظهر معادن الناس!
الثمينة والـ “الرخيصة”
ردود من محمد الموسى
December 28, 2009, 2:41 pm
اخجلتني المقاطع الفيديوية والصور التي تظهر ” جهلنا”
لا ، ليس جهلنا بل بلا مؤاخذة غبائنا !
فالجاهل يمكن تعليمه ولكن الغبي لايستقيم معه علم ولا ضرب..!
غباؤنا بتصوير المقاطع لبعضنا البعض ونحن نغرق!
ونحن نستغيث!
ونحن نضحك!
ونحن نفضحّ!
ونحن نستهزئ!
وهذا الشهيد الذي قد ضحى بحياته ..
الم يفكر احدنا ان فرمان كان شخصا .. بأحلام؟ بطموحات؟ بشهوات؟ برغبات؟ بأطفال؟ بقلب؟ بعظام ؟ بعينين؟
مثلنا
لكنه ربط على قلبه ، وعندما فتح الخطر فاه ادخل رأسه فيه
وعندما اغمض الناس اعينهم فتح عينيه يبحث عن مستنجدين
داس على احلامه وطموحاته واطفاله ودنياه ..في سبيل ماذا؟ في سبيل من يتهكمون عليه في الظروف العادية!!
الا رحمك الله .
اشد على عضد كل من اقترح مساعدة اهله ومنحه الجنسية بعد وفاته – اي لعائلته – وعلاوة على ذلك ، عمل مشروع باسمه ، خيرياً كان أو مدنياً.
دمتم بود.



كتابة رد