الوظيفة في مقابل القيم!
أمل سيدة سعودية، أعرفها منذ أن كنت في المدرسة الابتدائية، من عائلة عريقة ومحافظة، وهي تحفظ أجزاء عديدة من القرآن الكريم، وحين كانت تتلو القرآن في الإذاعة كانت المدرسة كلها تنصت لهذا الصوت الرخيم والقوي في آن. ورغم مرورها بظروف صعبة إلا أنها واصلت تعليمها ثم تزوجت وأنجبت وتوقفت عن الدراسة، ولكن الشابة التي تعودت أن تكون من أوائل المدرسة ظلت متحمسة للجامعة فعادت إليها عن طريق الانتساب، وتخرجت بامتياز رغم كونها زوجة وأما لثلاثة أطفال. وتجدد الأمل في قلبها بعد التخرج وبدأت رحلة البحث عن وظيفة، وسأترككم مع كلماتها – بتصرف بسيط – والتي أرسلتها لي لتحكي حكايتها: “بعد التخرج قدمت في وظائف القطاع الخاص وجميعها تطالب بالاختلاط أو كشف الوجه أو الاثنين معا، أما بالنسبة للوظائف الحكومية فقد قدمت في جامعة الملك عبدالعزيز وديوان الخدمة وحتى اليوم لم أحصل على وظيفة. وسمعت عن برنامج (..)، فقدمت عندهم وقالوا دورهم وساطة فقط. طبعاً أعطوني أوراقا تحتوي على معلومات شخصية ومؤهلاتي العلمية وقمت بتعبئتها وكان هناك سؤالان: هل ترغبين في كشف الوجه؟ هل تقبلين بالعمل في بيئة اختلاط؟
أجبت عليهما بـ”لا”. وبعد بضعة أشهر اتصلوا وطلبوا مقابلة شخصية. ذهبت للمقابلة وكانت كلها نسائية، وقالت إحدى السيدات: أمل تكلمي عن نفسك .وبعدها بدأت المعركة… إذ تحدثت السيدة مرة أخرى وقالت: لماذا ترفضين الاختلاط وكشف الوجه؟ أنت متعلمة وتقولين هكذا؟
قلت: لأن المجتمع لم يع بعد للاختلاط …كذلك أنا محافظة ولا أريد أن أخسر مبادئي في العمل .
قالت: لابد من تغيير أفكار المجتمع وأنت أول من يقوم بذلك .
قلت: ولكن العملاء ليسوا مثل بعض إذا كان عندي عشرة وضمنت التسعة فلن أضمن العاشر . وسألتهن ألم تتعرضن لتحرش من الجنس الثاني في العمل؟
قالت: عندي مندوبة تعرضت لتحرش لكن شخصيتها قوية استطاعت أن توقفه عند حده، حتى أصبح يتعامل معها ليضمن سكوتها عن سوئه، وبذلك كسبته زبونا!
قلت: لا أنتظر أن يحدث لي مثلها .
وطبعاَ طارت الوظيفة مع نهاية المقابلة…
وصديقتي طلبوا منها السكوت عند التحرش وإذا أعطاك أي رجل رقما خذيه وأنت تضحكين، لا تكسفيه… الله يكسفهم .
وصديقة أخرى اشتغلت في مستشفى (صاحبه كاتب ومصلح اجتماعي) خدمة عملاء بس بشرط كشف الوجه، وقد وافقت براتب 5000 ريال مع أنها لا تكشف وجهها خارج الدوام .
وأنا أخيراً جاءني عرض وظيفة على بند في قطاع حكومي لكن تصوري مراسلة أوراق مع أن مؤهلاتي العلمية بكالوريوس إدارة أعمال ودبلوم حاسب آلي.. وأيضاً على بند وراتب 1800 ريال.. الله لا يحوجني إلا لوجهه الكريم “.
قرأت في هذه الرسالة جل أمراضنا: من أحلام الشباب التي تُغتال قبل أن ترى النور، من النفاق الاجتماعي كما في حالة الكاتب الذي ظل سنوات (ولايزال) ينظر للأمة الإسلامية في حين يتصرف مستشفاه على هذا النحو. إلى وظائف حكومية تغتال طموحاتنا وإنسانيتنا، إلى قطاع خاص لا يكفيه أنه لا يكاد يساهم بشيء في تطوير مجتمعه، رغم أنه يعمل بحرية في بيئة خالية من الضرائب، ولا يكفيه تحايله على نظام السعودة، فقام اليوم يساوم نساء الوطن على قيمهن ومعتقداتهن التي هي أيضاً جزء من تشريعات وقوانين الدولة.
وقبل أن يتحول مقالي إلى كرة بين حزبي (المرأة مكانها البيت) و(أصلاً الاختلاط وكشف الوجه حلال)، أقول إن هذه ليست هي القضية التي أناقشها. القضية هنا تتعلق بالمرأة كونها إنساناً قبل كل شيء. من حق المرأة أن تحلم بوظيفة جيدة براتب تحقق من خلالها أحلامها المشروعة وتضمن بها مستقبلها لو دارت الأيام وصارت من غير معيل، وراجعٌ لها وحدها كيف توفق بين عملها وبيتها. ومن حقها أن تعمل في بيئة تتلاءم مع قيمها، و ألا تجد نفسها مضطرة أن تعيش في صراع بين وظيفتها وقيمها، وهذا أمر تضمنه كبريات الشركات العالمية لموظفيها. فهناك حتى في بلاد “الكفار” قوانين صارمة جداً للتحرش الجنسي في العمل.
ومن يزر بريطانيا وخصوصاً شرق لندن، فسيلاحظ العدد الكبير من النساء اللاتي لم يمنعهن النقاب من الدراسة أو العمل أو الحصول على رخصة قيادة، فلا أفهم لماذا يعتبر صاحب العمل “السعودي” في جدة أن وجود امرأة منقبة في خدمة العملاء سينفر الزبائن؟ هناك جراحات سعوديات بارعات يعملن بالنقاب. قضية اليوم يجب أن تثير اهتمام وغضب كل الأطراف، فالليبرالي الحقيقي يجب أن يدافع عن حق المرأة في أن تختار الفصل وتغطية الوجه كما يدافع عن حقها في كشفه وفي الاختلاط، والمتدين الحقيقي يجب أن يتوقف عن مطالبة المرأة بأن تقر في بيتها، وأن يعترف بحقيقة أنه ليست كل النساء تريد ذلك، وبالتالي عليه المطالبة ببيئة عمل أفضل. قد تكشف إحدانا وجهها أو تعمل في بيئة مختلطة، ولكنها مستعدة أن تدافع باستماتة عن حق امرأة أخرى لا أن تختار العكس، فالمسألة مسألة مبدأ.
أرسل في: 21 January, 2010
مواضيع: جريدة الوطن (الرأي).
ردود: 12
ردود
ردود من aymanati
January 21, 2010, 1:09 am
أحسنت د.مرام. من المحزن ان لا أرى في بلادي وعياً لحدود القيم والأخلاق الانسانية المشتركة بين الجنسين, فضلا عن أن أراه بين الأطياف الفكرية والدينية المختلفة.
كان البعض يوقع باسم الله و ينتهك حقوق المرأة بحجة حمايتها, والان وقد تغيرت قوانين اللعبة اصبحوا ينتهكون ابسط حقوقها بحجج أخرى لمآرب عملية احيانا او شخصية في أحايين كثيرة. ان هذا التعدي المزدوج غير مشروع على المرأة الانسان والمرأة المواطن, أين هو القانون في مثل هذه التجاوزات؟
ان الصراع بين القيم والمصالح سينتج ارتباكاً وجروحاً مصاحبة, فاما ان تسقط قيم أمل أو ان تسقط احلامها ومصالحها .. وحينها, لا يبقى الا انسان كسير آخر, كألف نسخة منه مضت وألف قادمة.
ردود من NjOoo
January 21, 2010, 3:16 am
آآه مو بس كذا !
الآن ماحد يعترف بالقدرات والكفاءات الا ومعك شهادة تشهد على ذلك ! طيب مو يكفي الكفاءة والقدرة والخبرة بالمجال !!!
لازم لكل شيء اعرفه بالحياة يكون فيه دليل ورقي عليه !!!
ماتكفي روح الحماس وحب العمل والانتاجية لتثبت ذلك !!
ردود من إبراهيم حميدي
January 21, 2010, 1:03 pm
شكرا د:مرام..
أعتقد أن امر العمل بالنسبة للمرأة هام جدا خصوصا في هذا الزمن
حيث يكون العمل كفيلا بضمان مستقبل المرأة في حال لا سمح الله أمست بلا معيل كما تفضلتي ..
وفيما يخص الوظائف أعتقد أنه لا يوجد سبب مقنع تجبر المرأة في التخلي عن قيمها سواء في كشف وجهها أو يديها ..
اذكر أنني شاهدت برنامج على البي بي سي كانت هناك معلمة بريطانية مسلمة تمارس عملها وهي تلبس النقاب علما بأنها تعمل في دولة غير اسلامية وتدرس في مدرسة غير اسلامية ايضا
فأين نحن..إذا كان هذا في بريطانيا؟؟؟
فليتق الله أرباب الأعمال ..
ردود من منال الزهراني
January 22, 2010, 9:03 pm
رائعة يا مرام ، هناك حبل وثيق بين ما نمارسه ونؤمن به وبين ما يمارسه الآخرون ويؤمنون به ، هو حبل الحقوق
مازال المجتمع السعودي بقوانينه في نظري مراهقاً فكرياً، مازالت تجذبه – بطرفيه-الأفكار الغريبة ذات الألوان الصارخة، والأصوات الصاخبة ، أكثر من الأفكار والمبادئ الجادة
شكراً لكِ عزيزتي
ردود من وفـــاء بنت عمر
January 23, 2010, 2:41 pm
للأسف يا دكتورة مرام مازال المجتمع السعودي يتبع قاعدة “يا تطخه يا تكسر مخه”
لكن في اعتقادي أن وجود التطرف للأيدولوجيات من الجانبين بعد أن كان تقريبا موجودا فقط من جانب واحد إنما هو دليل على تطور الأمور…ليس بالضرورة للأفضل في الوقت الحالي ولكنه سيكون بمثابة “دافع” عملي حقيقي للبحث عن الوسطية وإيجاد المباديء التي لا تتغير مع تغير الزمان!
ردود من emad
January 23, 2010, 11:47 pm
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحسنتي يا د. مرام وبالفعل نعيش بين عدة مفاسد
1-التحرش
2-عدم وجود قواني صارمة و التي هي طريق العاملين في حق المتحرشين
3-عدم معرفة كيف استخدام فتمين “واو” الوسطة فتجدين فتمين “واو” يكسر الناجح ويمنح المفسد في تفسيد الاخرين
4-أكل حقوق الاخرين والتلبيس والاحتيال
أشياء كثيره
في الاخير البنت في البيت والولد في الشارع قاعدين
………. “هكذا عشنا و إن عشنا هكذا !!!! فلن نعيش ” ……………
ردود من يحيى …!
January 28, 2010, 1:32 am
سلم قلمك يا مرام
ردود من ريومة
January 29, 2010, 4:13 am
خلاص ما ابغى اتزوج ولا ابغى اتوظف ولا ابغى اروح امريكا ولا بغى ولا شي احسن انام و اصحى انام واصحى الين اخلص ![]()
جميع اشكال واصناف التحطيم والبؤس والياس والتعاسة .. ليه كذا ؟؟
طيب انا ان شاءالله رح اتخرج الترم الجاي من جامعة الملك عبدالعزيز من قسم القانون و اصلا خلقة رح افحط الين ما احصل على ترخيص ممارسة مهنة المحاماة والله لو احص عالترخيص غير احط كل اللي يتحرشوا في الحريم في السجن واشهرهم في الجرايد واعلق صورهم على الجدران والاعمده وبس يشربوا كل ثلاثة ايام كاسة وحدة مويةواطلقهم من حريمهم عشان يعرفون ان الله حق << تقفل سجن غوانتانامو في امريكا فتحته هنا هههه
واوظف الحريم وخليهم يسوقوا وبعد 5 سنوات افك المساجين ههه
امانة لا احد يدعي عليا اني ما اتخرج الابعد 20 سنة هههههههه
امزح ترى ![]()
ان شاءالله اتخرج محامية واتوظف ( مبطية عظم ) وادافع عن حقوق الرجال و النساء
ردود من سهـ ـيل
January 30, 2010, 5:19 pm
مقال رائع وحقيقي تماما! أختي عانت مع الموظّفين السعوديين لأنها تغطي وجهها، و بعدها توظفت في شركة أمريكية ترحب بها وتحترم معتقدها!
شركة عذيب (صاحبة “جو”) ترفض الفتيات اللاتي لايكشفن وجوههن بكل صراحة. إلا ان تجعلهن في خدمة العملاء، حتى وإن تخرجن من قسم نادر و بشهادة ماجستير!
لمستي الجرح الذي تتجاهله الصحافة والإعلام.
ردود من أحلام صافي
February 4, 2010, 7:54 pm
مقال أكثر من رائع!!!!!! وكم يؤسفني أن فاتتني فرصة التعليق عليه ابّان نشره في الصحيفة..
للأسف الشديد فان منطقة الوسط باتت معدومة في مجتمعنا الذي يعيش صراعا حادا ومتشنجا بين التيارات المتناقضة.. لا يوجد وسط.. وباتت المرأة السعودية في قعر ديارها ووسط بلادها بين واقعين لا ثالث لهما.. فاما أن تكون من اللاتي يرين كشف الوجه وبالتالي فعليها أن تتعايش مع ألفاظ مثل “يا سافرة” و”فاجرة” وغيرها ومطاردات بالعصي في الاسواق كي تغطي وجهها.. أو تكون من المتغطيات وعليها أن تجابه الأوصاف والنعوت التي تطلق عليها من قبيل الرجعية والتخلف..
منطق أعوج، وكأنه لا يمكن اثبات الوجود الا بفرض السيطرة والتحكم في الناس واجبارهم على العيش في ظل الأيديولوجيا التي تعتنقها فئة دون غيرها.. ولست أفهم لماذا لا يكفي أن تثبت وجودك عن طريق تطبيق مبادئك التي تنادي بها.. سواءً كانت المناداة الحرية والتعددية وقبول الآخر أو كانت تطبيق سماحة الاسلام قولا وفعلا -ويكفينا تغنياً بها- دون خلط التعاليم السماوية بالعادات البليدة..
من حق من اختارت تغطية وجهها والنأي عن مخالطة الرجال من أخواتنا أن نكفل لها الجو الملائم لتعيش وفق مبادئها وقناعاتها، ولكن ماذا يمكنني القول سيدتي أبلغ من البيت الذي تمثل به الشاعر محمود غنيم فقال:
انا مشينا وراء الغرب نقتبس من
ضياءه فأصابتنا شظاياه
دمتي بود د.مرام
ردود من سحر من الرياض
February 9, 2010, 3:18 am
للأسف نعيش بين التحطيم وهدم المواهب وبين ألم الواسطه والتي هي أكبر من الشهادات العليا في السعوديه عند التقديم لوظيفه
بالنسبه للقطاع الخاص ومشكله زميلتك معه
فللأسف من يدعي الحريه لايطبقها يطلبون منها خلع النقاب بدافع التحرر والإنفتاح والحريه
والحريه أصلاً هي أن تتركوها تختار ماتشاء
ردود من mn3m
April 1, 2010, 2:14 am
د. مرام
هنيئا للوطن (ليست الصحفية) بك
وهنيئا للقلم ,, والثقافة ,, والفكر الذي أنت صورته الحية
وهنيئا لنا ..
أنت والله راااائعة بحق
في نفسي كثير من الامتنان والإكبار
ولكني أقف صامتا في حرمك
يلجمني الانبهار والإعجاب



كتابة رد