Wikinomics إقتصاد الويكي

لم يكن يدور في ذهن أستاذة اللغة الإنجليزية أن الصورة التي التقطتها في رحلة سياحية إلى عاصمة دولة التشكيك، ستدر عليها ربحاً مادياً بالأساس ناهيك عن أي يكون ربحاً مجزياً لمصورة هاوية. فلقد اشتركت في أحد مواقع الويب المجانية والخاصة بالصور بالتصوير الرقمي والمعروف باسم (فلكر Flickr)، ودأبت على الاحتفاظ بصورها هناك لتبادلها مع الأهل والأصدقاء. ولأنها كانت تقوم بوضع هذه الصور وإعطائها أسماء مع كتابة الوصف باستخدام الوسوم (وهذه الوسوم تقع في قلب الجيل القادم من الويب والذي يعرف بـ (Semantic Web، فلم يكن من الصعب على موظف شركة السياحة الذي كان يبحث عن صور ليضمنها مجلتهم التسويقية عن مدينة براغ أن يجد هذه الصورة. ولأن قوانين الملكية الفكرية في البلدان المتقدمة تمنع سرقة الصور، فكان عليه إذن أن يدخل معها في مفاوضات. وخلال هذه المفاوضات استعانت بمجتمع المشتركين في هذا الموقع الذين أعطوها نصائح ثمنية تتعلق بحقوقها والمبلغ المناسب لصورتها بناء على طبيعة الاستخدام، وهكذا أتمت صفقتها الأولى على الشبكة بنجاح، ومرحباً بكم في عالم اقتصاد الويكي!
الويكي (Wiki) هو برنامج أو حزمة برمجية تتيح للمستخدمين أن يتشاركوا في إنتاج أو تنقيح وتحديث محتوى ما وربط أجزاء مختلفة منه معاً بسهولة، ولعل أشهر تطبيق لهذه التقنية هي موسوعة الويكبيديا الشهيرية. والمقصود باقتصاد الويكي، هو الاقتصاد الذي يقوم على الأفكار ذاتها التي يوفرها البرنامج الشهير. ولا أريد أن أكرر ما قلته في أكثر من مقال سابق عن الجيل الثاني من الإنترنت وتطبيقاتة، لأن موضوعي اليوم هو عن الجانب الاقتصادي لهذه التقنية.

فثورة الإنترنت قد غيرت الكثير من المفاهيم والنظريات التي كانت تعتبر من المسلمات في عالم الاقتصاد. فمثلاً كان احتفاظ الشركات بأسرارها إلى أقصى حد هو الأمر السائد والطبيعي، خاصة في مجال الشركات المعلوماتية، وكان الحصول على المصدر البرمجي الأصلي (Source Code) أمراً مستحيلاً. ثم جاءت ثورة المصادر المفتوحة، حيث يقوم شخصٌ ببرمجة برنامج ما، ثم بدلا من أن يحتكره ويبيعه، فإذا به يجعله متاحاً عبر الشبكة لجميع المبرمجين، ليقوموا باستعماله والتعديل عليه كما يشاؤون وفق قوانين المصادر المفتوحة، التي تحارب الاحتكار. وهكذا نشط المبرمجون المتطوعون حول العالم وخرجوا لنا بنظام التشغيل (لينوكس) المجاني والذي ينافس وبجدارة نظام التشغيل باهض الثمن (ويندوز).
ولم يعد الأمر مقتصراً على هذه الشركات التقنية وحدها بل تعداها إلى حقول أخرى كالتعدين مثلاً كما يروي المؤلفان دون تابكسوت و أنثوني ويليامز في كتابهما (Wikinomics) أو اقتصاد الويكي، والذي حقق شهرة واسعة.

فقد أنقذ روب ماكوين المدير التنفيذي في “جولد كوربورشن” الشركة من الإفلاس، وجعلها واحدة من أغنى الشركات التعدينية في العالم، حين قرر ذات يوم أن يتخلى عن أحد أسس المدرسة القديمة في الاقتصاد والتي تقول إن على الشركة الاحتفاظ بمعلوماتها وبياناتها بسرية تامة. فقد قام بتوفير المعلومات الخاصة بالشركة ومناجمها عبر الإنترنت بحيث تتاح للجيولوجيين والجغرافيين حول العالم، ليحاولوا أن يحددوا أين يمكن أن يوجد الذهب بكميات تجارية في هذه المناجم التي بدت وكأنها توشك على الإفلاس، في حين تحتاج الشركة لتواصل أعمالها أن تثبت بأن لديها احتياطياً كافياً من الذهب الخام. والنتيجة؟ استجاب المئات من الخبراء حول العالم لهذا التحدي، ووجدت الشركة نفسها تتواصل مع أفضل العقول في هذا المجال، وبعضهم يملك أجهزة وتقنيات حديثة لم تكن الشركة تعلم عنها أو قادرة على تحمل تكلفتها. وهكذا كانت صفقة مشاركة المعلومات والأسرار في مقابل الخبرة والفعالية والتقنيات الجديدة!
وفي عالم اقتصاد الويكي والذي يحول بيئة العمل إلى منصة للإبداع، تصبح الفكرة الخلاقة السلعة الأغلى، ولأن الفكرة يصنعها الإنسان فالتنافس على العقول الخلاقة سيصبح على أشده. لا لم يعد كافياً أن تحاول الشركات فقط استقطاب هؤلاء للعمل معها والحرص على تدريبهم والاحتفاظ بهم بعيداً عن منافسيها، وإنما سيتعين عليها (كما رأينا في المثال السابق) أن تبقي أبواها مشرعة، ومصادرها في متناول المبدعين أينما كانوا، بحيث تتعاون معهم، وتستفيد من الطرق الجديدة التي سيقومون بتطوير سلعتها ذاتها لاستخدامات ربما لم يتصورها أحد حين خرجت هذه السلعة أو الاختراع للنور أول مرة.

وأصبحت الشركات مضطرة لتتعاون مع بعضها والاتفاق على معايير ومقاييس معينة لمنتجاتها و سلعها بحيث تتوافق مع بعضها. فلم يعد مقبولاً أن يظل المستخدم أسير شركة واحدة مهما بلغت جودة منتجاتها، بل من حقه أن يكون قادراً على الاختيار. ولعل أوضح مثال هنا هو سوق البرمجيات والأجهزة الرقمية والحواسيب، فسواء كنت تستخدم نظام التشغيل ويندوز أو ماك أو لينوكس فستجد أن أحدهم قد أخذك بالحسبان حين صمم برنامجه الجديد.

ويلخص المؤلفان قوانين اللعبة في عالم الويكي بأربعة عناصر: الانفتاح والشفافية في مقابل السرية، و المشاركة محل الاحتكار، والندية في مواجهة التنظيم الهرمي للشركات والأفراد، والعمل على أسس عولمية لا محلية.

الكتاب يتحدث عن هذه الأمور بالتفصيل، وأجد صعوبة في تلخيص أفكاره مجتمعة في مقال واحد. يقول عنه رئيس وحدة المعلومات لشركة IBN: ” هذا الكتاب يستلزم اهتماماً فورياً من كل رجل أعمال وأكاديمي وزعيم سياسي مهتم بإحداث التغير “. ويشيد به المدير التنفيذي لشركة بروكتر آند جامبل قائلاً : ” الكتاب يكشف الخطوة التاريخية القادمة: فن وعلم التعاون والتكامل الجمعي حيث تصبح الشركات شفافة وتفتح أبوابها للعالم”.

وأرى أنه يجب أن يعرب هذا الكتّاب ليقرأه طلاب العلوم الاقتصادية والإدارية والسياسية، وكل رجل أعمال ناجح يحب أن يظل في مركزه التنافسي خلال السنوات القادمة. أما قراءته من قبل وزراء الاقتصاد والمالية والتخطيط والطاقة والتجارة، بل والأهم ووزراء التربية والتعليم العالي فضرورة حقيقية إذا كانوا يريدون أن يخططوا للأجيال الشابة التي ستجد نفسها في موقف لا تحسد عليه. فقوانين اللعبة قد تغيرت، والتنافس على الفرص والاستثمارات والوظائف والمناصب لم يعد محلياً، بل عالمياً. ولعلنا ننظر إلى تجربة محلية بهذا الخصوص، فمثلاً في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا لم يتنافس الطلبة السعوديون والسعوديات في جامعاتنا مع بعضهم على منحها، بل مع الطلبة من كافة أنحاء العالم.
فهل نحن جاهزون ثقافياً، وفكرياً، وعلمياً ومعرفياً للمنافسة على هذا المستوى؟ هذا ما كنت أفكر فيه حين أغلقت الكتاب.
لقد حان الوقت لنفكر بجدية بإعادة صياغة نظامنا التعليمي كله وذلك استجابة لضرورات داخلية في المقام الأول. فالطالب يتخرج من الجامعة وهو لا يعرف كيف يكتب سيرته الذاتية، فكيف يستطيع أن يتقدم للوظيفة أصلاً؟ فالمهارات المطلوبة ليست مهارات تقنية ورياضية وعلمية فحسب، وإنما مهارات سلوكية، وتعلم طريقة جديدة في التفكير، وتعليم الطلبة كيف يعلمون أنفسهم ويطورونها في مجتمع اقتصاد المعرفة.

إننا بحاجة إلى قيادات شابة في مواقع مختلفة تفهم الواقع لأنها جزء منه، وتستطيع أن تستقرئ المستقبل لأنها ليست منفصلة عنه. فرياح التغيير وإن ظهرت على المستوى الاقتصادي، إلا أن لها إرهاصات سياسية، فالتجارة والمال نجحا دوما في أن يغيرا مسار التاريخ إلى النحو الذي يحقق لهما الربح الأكبر.

الحل ليس في نسخ الكتب المدرسية العتيقة باستخدام الماسح الضوئي وتقديمها للطلبة على أقراص ممغنطة كما حصل مؤخراً، لا بل القصة في المادة ذاتها ثم في كيفية تدريسها. والحداثة ليست مدنا بناطحات السحاب، ومجمعات تجارية فاخرة، وفنادق عالمية، فكل هذه الأمور لن تجعلنا سكانا أصيلين مؤثرين ومتأثرين في القرن الحادي والعشرين.
إنها الطريقة التي نفكر بها وانعكاسها على حياتنا بشكل عام واقتصادنا بشكل خاص، هي التي ستمكننا من البقاء على قيد الحياة ابتداء ثم التنافس مع الآخرين، سواء بقي النفط أو نضب، فالريادة في العالم الجديد..للفكرة وللإنسان المتميز الذي يصنعها وتلك هي ثروة البلدان الحقيقية.

qrCode
Tags: × × ×

79 Comments

  1. vmoguq bfnd sxtlfm bjpuryq
    http://ecotourism.greatsome.com ecotourism

  2. تِسًسُسٍلٌم وبآرك الله فيك على الطرح الرائع ~>

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*